المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة غاوجي  Headshot

في الكتابة.. أشياء لا تهمّ أحداً

تم النشر: تم التحديث:

قرأت الكثير من الكتب، عشرات الروايات، وآلاف القصائد، وشاهدت مئات الأفلام.. هناك الكثير من الكلمات، في كلّ مكان، لافتات المطاعم والدكاكين، أطنان من الجرائد، ملء قارّة من المقالات.. ولكنّنا لم نصل بعد؛ لا للاطمئنان الذي يسدّ جوع الروح إلى معنى تام، ولا إلى دراية تسدّ شهوة العقل إلى الفهم، وسوى القليل من الأغاني التي تهب القلب عزاءَه المؤقّت، لم نصل إلى شيء ذي أهمّية.

الكثير من الخطوات التي قطعناها؛ نحن البشر، منذ اختراع الكتابة. وما تزال النصوص الأولى تحمل بصمات الدهشة والحيرة ذاتها. "إلهي إذا لم يكن الخلود في مقدور أحد، فلماذا منحتني كلّ هذا التوق إليه"، بهذه الكلمات يلخّصنا جلجامش، بهذا الكبد المتصل من مهد الإنسان إلى حتفه يقول لنا: إذا كان هذا غير ممكن فلماذا نريده؟ وبكلّ هذه الضراوة؟

نُفكّر إذاً بإمكان الجديد. نتذكّر ما قاله كاتب مصريّ يُدعى خعبرع سنب في عام 2150 ق.م: "ليتني أجد ألفاظاً لم يعرفها الناس، وعبارات وأقوالاً بليغة لم ينقض عهدها، فليس مما تلوكه الألسن أقوالٌ لم تصبح تافهة مملة، ولم يقلها آباؤنا من قبل". نستشق أوائل الملال الكونيّ العظيم، ونحن نعبر كلمات عنترة القديمة/الجديدة "هل غادر الشعراء من متردّم؟". لا نيأس بسهولة، نتذكّر التكوينات الفاتنة للوركا، ذهب أبي تمام، نتعثّر بقصيدة لم تمت فيها المعاني، ونجد شيئاً من العزاء للمواصلة.

قليلة هي الكتب التي تسحرنا، نقرأ لأننا يجب أن نقرأ، ربما لأنّ هذا ما نعرفه ولأنّ هذه طريقتنا في الوجود، وربما لأننا لا نريد أن نترك فرصة دون أن نسلكها آملين بالجديد والفاتن والباقي أيضاً. أليس محزناً أنّ الأشياء تموت؟

قليلة هي الكتب التي توقفنا عبارتها الأولى على درب الدهشة، ولا ترمينا في منتصفها في وادي الملل والضجر، كأنها مسكوكة من الحلم. "معجم العشق" لبسام حجار فعل بي هذا، "الضوء الأزرق" لحسين البرغوثي، "ديرام وديلانا " لسليم بركات، الدواوين الأولى للماغوط.. ولكنني قرأتهم كلهم، مرة ومرّة ومرّة مع الأسف.. من ينقذني ويدلّني على فتنة لم ألمسها؟

عيناي نصلان.. يفقآن كلّ ما يريانه.. الذهب لا يعود ذهباً بعد أن ألمسه.. القصيدة لا تعود شعراً.. تتهدّل عرائشها وكلماتها.. تتورّم الأغاني.. تندلق الموسيقى وتصبح شعثاء في شوارع السمع.. هل أنا بهذا السوء؟ وهل عليّ أن أحترس من لمس ما هو جميل.. ماذا سأفعل يا الله إن انتهت الأشياء التي أحبّها، وما عاد في باقي الأيام سوى التكرار..؟

أكتب.. نعم أكتب، متلهّفاً أن يحكّني برقٌ أو ترويني ساقية.. ولكنّها الحجارة دائماً.. أنا أحبّ الحجارة ولا أتأفف من ذلك، جيدة لرمي البيوت الزجاجيّة (أنا بلا بيت، فلا تلوموني). جيدةٌ لبناء بيت إن أحببت، ولكنني لا أحبّ البيوت.. أعطني هذه المرّة وردة.. قصيدة/وردة.. نعم بهذه البساطة، وبهذه الاستعارة المكرورة منذ أن كتب نوفاليس المرأة/الوردة.. لماذا نكره ما هو مكرور إلى هذه الدرجة؟ لماذا نسرّع في موت الأشياء؟

دائماً ما أشعر بالخوف أمام صفحة بيضاء. مفتوحة تماماً على كلّ الاحتمالات. ولكن، ما إن تنكتب الكلمة الأولى، حتى تنحصر الاحتمالات وتقلّ.. جملةً جملةً، تصبح الاحتمالات أقرب إلى أن تكون احتمالاً واحداً. وفي لحظة ما من الكتابة، تصبح مهمّتك أن تتقن هذا الاحتمال وألا تنحرف عنه.

في الصمت الأوّل، صمت الصفحة البيضاء. يمكن أن أرى العالم كلّه منتظراً، كلّ شيء ممكن، الصور تتداعى والمطالع تتوجّس. لا أستغرب ولا أسخر من العازف الذي بقي صامتاً أمام البيانو لأربع دقائق و37 ثانيّة. في الصمت الأخير، أمام نصّ مكتمل، أرى طريقاً أو قصّة أو لغزاً أو أثراً لمعنى. والخوف الذي يقف أمامي قبل الكتابة، هو الخوف من أن أخسر إمكان العالم لأكسب تحقق احتمال واحد، أتستحقّ ولادة نصّ خسارة إمكان النصوص كلّها؟ أيستحقّ سلوك طريق بعينه خسارة بقيّة الطرق؟

لو تأمّلنا العالم كنصّ، لو أخذنا هذه الاستعارة إلى أقصاها، فإنّ الخوف أمام الصمت الأوّل لن يغادرنا، كلّ خطوة أولى أمام مفترق طرق هي كتابة الكلمة الأولى. كان يمكن أن أكون كلّ شيء، أيّ شيء. هل أنا من اخترت الكلمة الأولى أم هي من اختارتني؟

اعتقدت فيما مضى مذاهب عديدة وآراء مختلفة، والآن أجدني متحللاً من مجملها ونابشاً تراب أقلّها، ليس ارتداداً عنها إلى غيرها أو إلى نقيضها بالضرورة، بل إمعاناً في النظر إلى كلّ الأشياء معاً وبوقت واحد، دون أن أفقد بنفاذي إلى شيء فرصة النفاذ إلى آخر.. هذه الخسارة المحتومة حين نوجد، فحين نوجد في مكان لا نوجد في آخر، إننا محكومون بجسد واحد ووجه واحد وفعل واحد في نفس الوقت، فلماذا أخسر إذاً أجنحة الخيال التي تطير فوقي؟ هل أصعد السلّم بعينين اثنتين أم أجعل جسدي سلّماً لملايين العيون!؟

قد لا يقودنا هذا النفور من المحدوديّة إلى مكان؛ نوع من الحكمة (يصفون الحكمة بالجبن أحياناً، هذا صحيح عندما تتردّى الحكمة فتصبح قالباً، سأعلل مسألة الجبن هذه في وقت آخر)، والحكمة ليست شيئاً، سوى أنها نظر أبعد. ولأنّ هذه الطريق قد لا تقودنا إلى شيء هائل بما يكفي ليجعل من هذه الغاية باعثاً، فإنّ الباعث الأكثر عمقاً، هو الباعث الباطنيّ، أعني تلك القوّة التي لا نملك إلا أن نطيعها بأي طريقة ممكنة، وهذا أحد الطرق الممكنة، أما هذه القوّة فهي السأم!

ما هو السأم؟ هذا المرذول والموصوف بانعدام الفاعليّة، تحيطه هالة بغيضة من الأمزجة الباردة والكسل اللزج.. ولكنّ السأم أنبل من ذلك بكثير، إنه نوع من معرفة حقيقة الأشياء، لا يمكن أن نفصل رؤيتنا وإحساسنا بالعالم عنا، نحن من نشعر بالسأم من الأشياء والمسالك والعالم، ونعتقد بأنّ هذا مبرر، أنه إدراك لحقيقة الأشياء، دورانها الأزلي حول نفسها، هذه هي الرؤية التي يبعثها فينا السأم، أنّ العالمَ يكررُ نفسه، وأنّ التجارب تشابهت وأنها حتى لو تجددت فإنها لا تختلتف في حقيقتها عن سابقتها..

ما هو النبيل في هذا إذاً؟

(سأكون هيجلياً في هذه الفكرة)، السأم هو إمكانيّة انفتاح العالم على جديد.. صحيح أنّه يناقض نفسه، ولكنّ هذه المفارقة هي ما يصنع جلبة التاريخ، السأم من الحاضر، تكراره الضجر، هذه ليست قوّة يستهان بها، يمكن أن تتمظهر في مجالات كثيرة، وغالباً، إن تمكنت من فعل شيء فسيكون شراراً في هشيم المألوف، هذا ما يطمح إليه السأم؛ الاستثناء الذي يهشم القاعدة!

ما الكتابة إذاً، تلك التي يرعى السأم حوافّها؟ وتمتصّ جداولها مسامّ الجفاف ومصبّات الرطوبة والبعوض؟ إنها الجريان الذي لا يملك نفسه، وصورة القمر الذي يلمع صدفةً فوقها!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.