المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة فاروق خلف Headshot

من عز الإسلام إلى جهل القومية

تم النشر: تم التحديث:

يقوم إقليم كردستان العراق بإجراء استفتاء من أجل الانفصال عن دولة العراق، ورغم الرفض الدولي والعربي والإقليمي، فإن الحقيقة أن الأكراد لا يستفتون على انفصالهم عن دولة العراق كما يتصور المعظم، الأكراد العراق أو أكراد إيران أو تركيا وحتى سوريا شعب له تاريخ حاضر، وأكيد لهم مستقبل ما بقيت البشرية على الأرض، وحق تقرير المصير حق مكفول دولياً، والاعتراض الدولي والعربي والإقليمي ليس بسبب أكراد العراق وإنما للخوف من أن يتبعهم أكراد سوريا وهم في حالة تسمح بذلك، والوضع ليس بأفضل في كل من إيران وتركيا، ويبقى الخوف من الاستفتاء الذي هو تغيير لخريطة الدول وإنشاء دولة كردية أو أكثر من دولة.

ولكن أين الخوف من هذا التغيير؟ فالدول تشهد تغييرات على مر العصور، ولا حدود لها ثابتة، وجرى العديد من الاستفتاءات واستقلت العديد من الدول بموجب هذه الاستفتاءات، فتيمور الشرقية شاهدة على هذا الحق، وكوسوفو، وهناك من ذهب إلى الاستفتاء ولم ينجح مثل إقليم كتالونيا في إسبانيا، آيسلندا في شمال إنكلترا، فلماذا حلال على غير الأكراد وحرام عليهم؟! هناك من حاول أن يبرر ذلك بأن الأكراد خونة وتحالفوا مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأن إسرائيل تدعمهم بالمال والسلاح والعتاد، من أجل ضرب دول العربية والإسلامية، ولا يوجد دليل لنجاح المخطط الإسرائيلي، من قيام الأكراد برفع العلم الإسرائيلي في احتفالاتهم، جنباً إلى جنب العلم الكردي، واستقلال الأكراد العراق تكون بذلك قاعدة إسرائيلية متقدمة تهدد دول العراق وإيران وتركيا، التي تشهد حالة شبه حرب مع الأكراد شرق تركيا، ومن المؤكد أن أكراد تركيا يحصلون على السلاح ودعم لوجستي من دولة الاحتلال الإسرائيلي.

لماذا يقبل الأكراد الدعم من دولة الاحتلال الإسرائيلي؟! مع العلم أن معظم الأكراد مسلمون سنة، ولهم تاريخ مشرق في كل القضايا الإسلامية، فكانوا عوناً للخلافة العباسية، وسيفاً سله الله عند احتلال بيت المقدس ومساحات واسعة من بلاد الشام، فكان الفاتحة التحرير عن نور الدين زنكي كردي الأصل عربي الهوى، وكان التحرير على يد صلاح الدين الأيوبي كردي الحسب وعربي النسب سيف من سيوف الإسلام فوحد بلاد الشام مع مصر واليمن، فدخلت تحت حكمه وطاعته بكل رضا ومودة، فكان حال الأكراد مع العرب مثل حال الأمازيغ مع العرب المختلط الهويات وذابت الفروقات، ولم تجد من يرفض حكم صلاح الدين أو يقلل من حكمته وشجاعته لأنه كردي، كما لم تجد من من يهاجم طارق بن زياد الأمازيغي، وكلاهما نال شرف قيادة جيوش الإسلام وتحرير وفتح الأراضي وتثبيت الحكم باسم العرب والعروبة، حتى لم يعلم أحد أن هؤلاء الأبطال من الأقليات وليسوا عرباً.

وبعد البحث التاريخي والتحقق الصحيح، تبين أن الخلط بين العرب كعِرق والدين الإسلامي جعل كل مَن يدخل في دين الإسلام يتعلم اللغة العربية فتختلط ثقافته بمفاهيمه الإسلامية مع القيم والعادات العربية، حيث حافظ على أصالته وعراقته إلا أن حبه للإسلام وإتقانه العربية جعلاه عربياً الطباع والنسب، فالعروبة ليست عرقاً بقدر ما هي لسان قوم وعادات من ملكها كان عربياً، وعندما جاء الإسلام إلى الأقليات من جوار العرب مثل الأكراد والأمازيغ والأفارقة والطوارق، والترك، وغيرهم حمل العرب معهم خير ما ينقل، فكان الإسلام رسالة ترمى بينهم كحبة قمح فتنبت سنبلة بها عشرات الحب، وعندما حمل العرب الإسلام إلى الأقليات، حمل الأقليات إلى العرب عز الإسلام وسنده، فكانوا النصر وقت الشدة، والعون عند الحاجة، فكما صدوا الغزو عن بلاد الشام وهزموا المغول على تخوم مصر وكانوا العون للأندلسيين في صد الغزو هناك أيضاً، وسبباً في صمود الأندلسيين أربعمائة عام قبل انهيار مملكتهم.

أما اليوم كيف نلوم الأكراد على التحالف مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ومعظم الدول العربية تطبع معها، بل هناك تحالفات سرية وعلنية، وربما عن قريب تدخل دولة الاحتلال جامعة الدول العربية لوجود ما يقارب نصف سكان الدولة من العرب الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال، بل قد تدخل منظمة التعاون الإسلامي، كما أن الدول العربية لا تقدم شيئاً لأبنائها وشيوع الفساد والظلم المجتمعي بين مواطنيها، وأصبح في داخل الدولة توجد درجات للمواطنة، وتخضع للمعتقدات والفكر والنسب وغيرها، فكيف ستخدم هذه الدول الأقليات من خارج العرب مثل الأكراد والأمازيغ، وعندما تنظر في حال الدول العربية تجد كثيراً من أبنائها يهربون من دولهم بحثاً عن مصدر للرزق أو طلباً للحرية الفكرية، فلماذا نلوم الأكراد أو الأمازيغ أو غيرهم من الأقليات داخل حدود الدول العربية؟!

عندما نتوقف عن الحديث عن المجد العربي الكاذب بدون الإسلام، ونعود للشريعة الإسلامية لن تجد مَن يطلب الاستقلال عن الدول العربية، بل ستجد من يسعى ليكون جزءاً من هذه الدولة التي تحترم المواطن مهما كان معتقده أو دينه، ستجد من يأتي بحثاً عن الأمان كما فعل اليهود عندما هربوا من الطغيان الأوروبي إلى دول المغرب العربي، عندها لن ينظر إلى حسب ونسب مَن يحكم أو من يعمل وينجز، إنما ينظر إلى صنيعه وإنجازه وستبقى الدولة العربية هي الدولة الوحيدة في التاريخ التي سمحت للعبيد أن يصلوا إلى الحكم، كما ستبقى الدول العربية الدولة الوحيدة التي احتلت في التاريخ فنشرت فكرها ومعتقداتها على المحتل فعاد المغول إلى أوطانهم بدين جديد ينشرونه، هكذا كنا بعز الإسلام، وهذا ما رمتنا به القومية العربية، هذه القومية التي لم تكُن أكثر من حياة بداوة لولا عز الإسلام.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.