المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة الشامي Headshot

كل شيء يبدأ بقطرة الماء

تم النشر: تم التحديث:

أدخل إلى غرفتي لأجد زجاجة الماء في مكانها المعتاد بجانب السرير، تحديدًا جانب موضع رأسي فألتقطها وأبدأ بالشُرب حتى أرتوي، أنظر إليها بإعجاب وأقول "أنا فعلًا بحبك!".

أنا أحب المياه بشكل غير طبيعي، فقد بدأت علاقتي بها بمجرد معرفتي أن جسدي يقوم بترسيب الأملاح بسرعة، وعليه فيجب عليّ أن أشرب الكثير من الماء حتى أمنع تشكيل أي حصوات. فأصبح مشروبي الدائم في أي مكان والأساسي هو الماء.

ومع مرور الوقت نشأت بيننا علاقة أستطيع أن أقول إنها علاقة أكثر من جيدة بكل يقين. فالحب بيننا متبادل وعلى قدر ما أعطيها من اهتمام أجد منها كذلك الود والحب والنصح. وأحيانًا أشعر بالارتواء!
جعلتني تلك العلاقة الغريبة أفكر في مشاعري تجاه كل شيء، فكيف للإنسان أن يقول إنه يحب الماء؟ كيف نحب ما هو أساسي للحياة؟ هل رأيت يوماً أحدهم يشعر بالحب والإعجاب بالهواء؟

منذ ذلك الحين وأنا أحاول تحديد موقف "عاطفي" واضح من كل ما أفعله في الحياة صغيراً كان أم كبيراً، مُهمًّا كان أم تافهاً، المهم أن أكون واضحاً مع نفسي في كل شيء كي أصل لمرحلة التصالح مع النفس التي تجعلني أجد نفسي يوماً وقد أصبحت كل أفعالي وتحركاتي نابعة من الحب.

بدأت الأسئلة تدور في رأسي حول كل شيء في حياتي، خصوصًا تلك الأشياء التي لا أُعيرُها اهتماماً وأقوم بها بشكل تلقائي. فكانت من ضمن أهم الأشياء التي استوقفتني في الحياة هي فكرة المطالبة بالتغيير ومعارضتي للنظام الحالي في مصر وشكل حياتي الذي تغير بسبب تلك المعارضة.

وتساءلت عن ذلك الموقف، هل أنا أحبه فعلاً، هل أحب الثورة؟ أم أنه موقف مصطنع أو حتى موقف نشأ من البيئة المحيطة بي؟ ماذا لو كنت ابناً لأحد رجال أعمال نظام مبارك؟ هل فعلًا كنت سأحب الثورة أم أكرهها؟

أوقفني هذا السؤال كثيرًا، كانت الإجابة صعبة، لكن مع الوقت والتفكير وصلت إلى نتيجة مفادها أنني إنسان بطبعي أحب التغيير، أكره كلمة استقرار إذا كانت بمعنى الثبات والسكون، لا أدَّعي أن التغيير دائماً يكون للأفضل، إلا أنه أفضل من الثبات على أية حال.

حبي للتغيير في حياتي كحبي للماء تمامًا، فهو حب لأساس من أساسيات حياتي التي فطرني الله عليها، حتى أنني مع الوقت غيرت نظرتي لمفهوم كلمة "استقرار" من المعنى السطحي لها أي الهدوء والثبات أو السكون إلى الاستقرار بمعنى آخر أكثر حركية يمكن أن نوصفه بأنه "حسن إدارة التغيير في حياة الإنسان". فأفضل حياة مستقرة يمكن أن تحصل عليها هي تلك الحياة التي تتغير بإرادتك باستمرار وتختلف البيئة والظروف والإمكانات لكنك دائماً في حالة وعي تام بكل حركة في حياتك وكل تغيير يطرأ عليها فتكون بذلك صانعاً ومديراً للتغيير في حياتك ولست مجرد مفعول به تجري سفينته حيثما هبَّت الريح.

من وقتها، أصبحت علاقتي بكلمة تغيير وثورة أكثر وضوحاً وتكاملًا، بل وظهر الحب بيننا كما ظهر بيني وبين الماء تماماً، فالثورة تغيير في الاتجاه الذي اتمناه لنفسي والانسحاب منها سوف يقتل حالة السلام الداخلي التي أعيشها الآن.

وزاد في إعادة تشكيل تلك العلاقة ما قرأته عند الأستاذ "همام يحيى" عندما سُئل عن ابنته "آن" وكيف تغيرت الدنيا بعد قدومها، فقال في جزء من إجابته "بمجيء آن تحولت مشكلتي مع المستبدين والمحتلين إلى مشكلة شخصية.. مهما كنتَ شجاعا ومستعدا للتضحية في سبيل قضية، سيظل البحث عن حياة أفضل لأولادك هاجساً حاضراً.. كل طفل قُتل في ثورة، خصوصاً السورية، يصبح مسألة شخصية، ويتحول إلى سؤال مرهق عن الوقت الذي تأخرناه كأمة في أن نعيش بشراً آمنين لا تحاصرنا هواجس السجن والموت".

أصبحت علاقتي بالثورة شخصية جداً وأصبحت الإجابة على السؤال الخاص بالمصدر من فكرة حبي للتغيير واضحة أكثر، فلو كنت ابن رجل من رجال مبارك أو كنت ابن مبارك نفسه وكنت بالنفسية ذاتها والشغف نفسه في البحث عن السلام الداخلي عن طريق فعلي لما أحب لا حبي لما أفعل، لكنت بكل تأكيد سأختار شرب الكثير من الماء والعمل من أجل إنتاج حالة جديدة من حالات التغيير.
لقد تحولت علاقتي بمفهوم التغيير والثورة إلى علاقة خاصة جداً عن طريق سؤال نبع من قطرات الماء، وأصبحت عند أستاذ همام كذلك بنفس الخصوصية بعد مجيء ابنته. ومؤكد أيضاً أن علاقة الكثيرين من أبناء هذا الجيل بمفهوم التغيير وضرورته قد تغيرت بشكل جذري، فلم يعد التغيير رفاهية، ولم تعد الثورة خياراً نتفاوض عليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.