المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة السيد عمر  Headshot

أحداث العام ٢٠١٥م كما رواها المؤرخون

تم النشر: تم التحديث:

يقول ابن البكري الشامي في كتابه "تاريخ الممالك والأمم": "ثم دخلت سنة خمسة عشر وألفين للميلاد بتقويم النصارى الذي اتبعه المسلمون آنذاك في كافة الأمصار، سوى مكة ومدينة رسول الله على ساكنها صلوات الله وباقي الديار الحجازية فقد أبقوا على التاريخ الهجري".

وفي وصف أحداثها، يقول المؤرخ "وفي هذه السنة، دخلت ثورة الشام عامها الخامس وفيها تحالف صاحب الشام النصيري بشار بن أبي سليمان مع الروم والفرس لحرب أهل الشام، فكانت واقعة فريدة في تاريخ الإسلام تحالف فيها الروم والفرس بعد أن تناحروا لقرون، كما ودخل في حلفهم أجناد الرافضة القادمين من العراق وبلاد فارس وخراسان وخوارزم فنزلت جحافل الغرب والشرق بأرض الشام ورست سفنهم في سواحل جبلة، وكان الرهبان والقساوسة يباركون جنود الروم بالصلبان والمياه المقدسة قبل خروجهم للقتال، وقد وصفها بعض الروم بأنها حرب صليبية، فحاصروا أهل الشام في كل من حلب وحمص وحماة والغوطة وسهول حوران، وألقوا عليها حمم النار من السماء، فكانت تهدم البنيان مهما ارتفع وتقتل من فيه، حتى بلغ عدد من قتلوا من أهل الشام خمسمائة ألف نفس وشردوا عشرة آلاف ألف إنسان.

وفي ذلك أنشد شاعر الشام أبو معاوية أنس بن إبراهيم الدغيم فقال:

حيثُ وقفتُ قامَ دمٌ شهيدٌ ونامتْ عن دعاويهِ القضاةُ
تجذّر في التراب فصار نخلاً وناءَ فغامَ فانهمر الأباةُ
ويا وطناً تشظّى ياسميناً ويا مطراً يحاصرُهُ الغزاةُ
تخلّقَ في يديكِ الصّبحُ حتّى مشى في موكبِ النّورِ الحفاةُ
وما وطئوا تراباً من حريرٍ ولا شبعوا و لا لبسَ العراةُ
وكم زرعوا لتحيا الأرضُ قمحاً وآثاراً و كم حصد الولاةُ
فما صنعوا لوجهِ الشّامِ خبزاً ولا دُفعتْ لساكتها الزّكاةُ

وفي تلك السنة، اجتمعت راية المسلمين قريبا من حارم في جيشٍ سُميّ جيش الفتح، فطهروا البلدة وما حولها من جموع النصيرية ومن اجتمع معهم من جند الرافضة وردوهم إلى دمشق.

وفي مستهل تلك السنة، هبت عاصفة شديدة من الثلج والبرد فهلك بسببها خلقٌ كثير ممن فقدوا المسكن، فاجتمع على الناس برد وثلج وجوع، وقلت المؤن وتأخر الغوث، فكان البلاء عظيما والنازلة مهولة.

واشتد الكرب على أهل الشام، فركبت جماعات منهم البحر قاصدين أرضا في أقصى بلاد الروم قالوا إن فيها حاكما لا يظلم عنده أحد، فغرق منهم خلق كثير في البحر لسوء حال مراكبهم وكثرة من اعتلاها من الناس، وكان من بينهم نساء وصبيان وذراري، حتى أن سكان سواحل بحر الروم تراءت لهم جثث كثيرة طفت على شواطئهم من كثرة من غرقوا.

وفي هذه السنة، استفحل خطر الخوارج، فتوسع ملكهم وامتد من الموصل شرقا حتى حلب غربا، وكذلك الرقة وأجزاء من حمص وحماة وما جاورها وامتدت شمالا فاستحوذوا على أجزاء من جنوب الرها، وأعلنوا قيام دولة الخلافة وبايعوا رجلا منهم لم يعرفه الناس من قبل يُقال له البغدادي أميرا للمؤمنين فقسم الدولة لولايات وعين عليها ولاة وأمراء، وكتب لهم بقتل ومصادرة بيوت من شارك في قتال الخوارج، فأطلقوا عليهم صفة المرتدين، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وقطعوا رؤوس آخرين، وقتلوا أيضا جند صاحب دمشق ممن وقع في أيديهم في الأسر، وكان من عادتهم صلب أبدان القتلى وتعليقها على أبواب المدن.

ودارت بين الخوارج وثوار الشام حروبٌ عدة، وأعانوا صاحب دمشق على قتال الثوار في الخفاء، فكان بينهم وبين الثوار صولات وجولات، وبينهم بين الحاكم النصيري سلم وأمان.

وفي تلك السنة، حاصر حاكم دمشق عدة مدن من أعمال دمشق يُقالُ لها الزبداني ومضايا والمعضمية وبقين وداريا فجاع سكانها واستطعموا المسلمين من سائر البلدان فتأخر المدد، ومات من الجوع خلقٌ كثير حتى أكل الناس القطط والكلاب وخشاش الأرض، وكان الصبية يمشون في الطرقات والأزقة يطرقون الأبواب ويسألون المارة القوت، فلا يجدون من يطعمهم.

وفيهم أنشد شاعر الشام الدغيم فقال:
ينام المترفون وأي عز لمن شبعوا وقد جاعت مضايا

وكانت أخبار هذه النوازل تصل للمسلمين في شتى بقاع الأرض في ذات الساعة، من خلال أدوات نقل ومشاهدة عرفها الناس حينئذ تنقل صور الجوع والقتل والخراب فيراها الناس عينا، فلا تمضي الجيوش لنجدتهم، ولا تتحرك العزائم في نفوس المسلمين لنصرتهم، وذلك لرقة دينهم، وتفرق كلمتهم، وفساد حالهم، وانغماسهم في دنياهم، وقعودهم عن الجهاد، واكتفى العلماء بالدعاء لهم على المنابر، وحث الناس على مدهم بالكساء والدواء والطعام الذي كان يتأخر بسبب حصار الرافضة والنصيرية لقُرى الشام، حتى إن بعض حكام المسلمين قد والى الروم والرافضة وسكت عن قتالهم للمسلمين، وسجن بعض رعيته ممن ناصرهم بالمال والزاد.

وفيها استولى الخوارج على شمال العراق، فيما كانت بغداد وجنوبها حتى البصرة تحت حكم الرافضة، ونشبت حروب عدة بين الخوارج والرافضة، واعتدى الرافضة على مدن السنة في العراق، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وهجروهم عن ديارهم، وأحرقوا قراهم.

وممن توفي فيها من الأعيان والعلماء والقادة

الشيخ وهبة بن مصطفى الزحيلي ابن دمشق العلامة المفسر الفقيه الأصولي عن ثلاثة وثمانين سنة قضاها في العلم والتعليم والبحث والتأليف والتدريس، وكتب في الفقه وأصوله وذاع صيته في الممالك الإسلامية كافة، وكان يقصده طلبة العلم من مختلف الأمصار، وقد تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء.

والشيخ أسامة بن عايد اليتيم قاضي حوران الفقيه العابد الزاهد، ولد في حوران وعاش فيها ثم انتقل إلى مدينة رسول الله على ساكنها صلوات الله فدرس على شيوخها، ثم عاد لحوران فكان من أوائل الدعاة الذين صدعوا بكلمة الحق على أرض الشام، فسجنه حاكم دمشق عاما كاملا، وبعد خروجه من سجنه أسس دار العدل في حوران وترأسها حتى قُتِلَ مع جماعة من أصحابه وقد قارب الثمانية والثلاثين عاما، وقِيل قتله الخوارج.

والشيخ محمد زهران بن عبدالله بن علوش قائد ما عُرِفَ بجيش الإسلام في الشام قتله الروم وكان قد عُرِف بحسن سلوكه ودماثة خلقه، مع حزم في إدارته، وقد تلقى العلم في حلقات علماء دمشق، ثم انتقل للمدينة صلوات الله على ساكنها بعد ذلك بسنين فسمع من العلماء والحفاظ ثم عاد للشام وهناك شكل جيشا في الغوطة لقتال الحاكم النصيري في دمشق، وقد قارع هذا الجيش جند الحاكم النصيري والرافضة أمدا طويلا وكان سببا لتقوقعهم داخل دمشق وعدم قدرتهم على الخروج لأطرافها، وبعد مقتله نودي بالشيخ عصام بن خالد البويضاني الملقب بأبي همام خلفا له.

وفي نهاية تلك السنة، تقسمت أرضُ الشام بين أهلها من السنة والخوارج والنصيرية، والدروز، والكُرد، ومُنِعَ أهل الشام من دخول أنطاكية وبلاد الرها وباقي أرض الترك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.