المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة الشافعي Headshot

2018.. وفرص الخروج من المأزق المصري

تم النشر: تم التحديث:

مع اقتراب عام 2018 وما يحمله من حدث هام يتمثل في الانتخابات الرئاسية وفي ظل ما تمر به مصر من أزمات عميقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يتبادر إلى الأذهان السؤال: هل يمكن أن يمثل عام 2018 بادرة أمل خافت في الخروج من المأزق المصري؟

والحقيقة أن أي شكل من أشكال الخروج من هذا المأزق يعني في أحد أهم معانيه بداية محاولة جديدة للتحول الديمقراطي في مصر، وهو ما يعني بداية عملية الانتقال من نظام حكم سلطوي إلى نظام حكم ديمقراطي، ولهذا يكون من المفيد في محاولة الإجابة على هذا التساؤل الاطلاع على الأدبيات التي تناولت موضوع التحول الديمقراطي وآلياته وأنواعه وشروطه وتجاربه.

مثلت عمليات التحول الديمقراطي الظاهرة السياسية الأبرز على مستوى العالم في حقبة السبعينات من القرن العشرين فيما عُرف بالموجة الثالثة للتحول الديمقراطي والتي بدأت في البرتغال وإسبانيا واليونان منذ عام 1974، ثم توسعت لتشمل مجموعة من دول أميركا اللاتينية وآسيا خلال الثمانينات، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، لحقت دول الكتلة الاشتراكية المتفككة في أوروبا الشرقية وإفريقيا بركب موجة التحول الديمقراطي تلك.

دفعت هذه التحولات عدداً كبيراً من الباحثين لدراسة هذه الظاهرة بهدف الوصول إلى نظرية عامة بخصوصها تتمتع بقدرة تفسيرية عالية وقادرة على التنبؤ، فعكفوا على دراسة الأشكال المختلفة للحكم السلطوي وعناصره المختلفة، سواء في النظم العسكرية أو نظم الحزب الواحد، أو الحاكم الفرد، وأسباب تفكك هذه النظم أو سقوطها، ومن أبرز من درس هذه الظاهرة ونَظر لها الأميركي "صموئيل هنتنغتون" في مؤلفه "الموجة الثالثة" الذي نشره عام 1991،
ويقسم هنتنغتون أشكال عملية التحول الديمقراطي في النظم التسلطية إلى أربعة أنماط:

1- نمط التحول: حيث تتم عملية التحول الديمقراطي بمبادرة من السلطة ذاتها وبدون التدخل أو الضغط من القوى المعارضة أو الحركات الشعبية، ويتم هذا التحول في ظل شعور داخل النظام الحاكم بأن من مصلحته القيام بهذا الأمر ولو بشكل محدود، بحيث تبقى هندسة العملية ونتائجها في يده.

ومن أمثلة الدول التي تم فيها هذا الأمر إسبانيا، اليونان، الكويت، وهذا النمط بعيد عن الواقع المصري؛ لأن النظام الحالي أتى بالفعل في ظل تدافعات عنيفة وحضور غير ضعيف للقوى السياسية المختلفة والتي حاول النظام أن يرضى بعضها برسم أقنعة ديمقراطية على وجهه السلطوي، وقام بنجاح بقمع المظاهرات الشعبية، سواء التي طالبت بإسقاطه أو حتى فقط بمزيد من الإتقان والتجميل في القناع الديمقراطي بما لا يحمل أي نوايا لدى النظام نحو مثل هذا التحول، كما أن هذا التحول يكون غالباً في الجيل الثاني أو الثالث من ديكتاتورية متصلة وليس الجيل الأول المؤسس لها.

2- نمط الإحلال، وهو المتمثل في الضغوط والثورات الشعبية، التي تعمل على إسقاط النظام القائم وإحلال نظام جديد مكانه، حيث تصل هذه الضغوط إلى الحد الذي تجبر معه كل من السلطة والنخبة السياسية على الاستجابة لمطالبها في التحول الديمقراطي والتخلص من النظام المستبد، ومن الأمثلة الشهيرة في هذا النمط، الثورات الملونة في شرق أوروبا، والفلبين، وهو يتمثل كذلك فيما حدث في مصر في ثورة يناير/كانون الثاني 2011، إلا أن هذا النمط لا يؤدي بالضرورة إلى عملية تحول ديمقراطي سلسة ومستقرة؛ حيث تكون معرضة بقوة للانتكاس إلى أشكال من الحكم قد تكون أكثر سلطوية من تلك التي تم إسقاطها، وذلك لعدم وجود التفاهمات والاتفاقات المسبقة بين النخب السياسية، سواء تلك التي في الحكم أو في المعارضة، والتي تعد ضرورية للغاية لإدارة هذه المرحلة الهامة من التحول، ومع هذا هناك بعض الأمثلة الناجحة في هذا النمط والتي تتميز عادة بوجود فاعلين معتدلين بين النخبة تقرب وجهات النظر وتؤمن انتقالاً آمناً، مثلما حدث من النخبة التونسية بعد الإطاحة بنظام بن علي.


ولا يمكن الرهان على حدوث هذه النوع من التحول في مصر من جديد، خاصة في ظل تنامي القوى القمعية إلى أضعاف ما كانت عليه قبل 2011، وكذلك لانتشار النماذج شديدة الفشل لبعض الثورات التي أدت إلى نشوب حروب أهلية وتدخل خارجي كما في حالة سوريا واليمن وليبيا، مما أدى إلى نشوء جدار سميك من الخوف لدى الشعب المصري يجعل حركته غير متوقعة على الرغم مما يعانيه من ضغوط قمعية واقتصادية واجتماعية شديدة.

3- نمط التدخل الأجنبي: أي أن من يدفع في اتجاه التحول الديمقراطي ويقوم به هو قوة أجنبية عن طريق التدخل العسكري غالباً، ومن أمثلة ذلك عملية التحول الديمقراطي في اليابان على يد الولايات المتحدة الأميركية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية (وكذلك ألمانيا الغربية)، وفي هايتي وبنما في تسعينيات القرن العشرين.
وهو نمط لا يكلل بالنجاح كثيراً، ومن أمثلة ذلك النموذج العراقي بعد الاحتلال الأميركي، وهو نمط لا نفضله ولا نتمناه.

4- نمط التحول من خلال النخبة "التحول الإحلالي":
يحدث هذا النمط عادة عندما يصل الصراع بين كل من السلطة والمعارضة إلى مرحلة من التوازن، فالسلطة تكون وصلت إلى مرحلة من التدهور الذي يهدد بإمكانية السقوط أو خروج الأمور عن السيطرة، مع عدم القدرة على المزيد من القمع للمعارضة، وفي المقابل يكون هناك تحرك من المعارضة لاستغلال هذا التدهور، ولكنه غير كاف لإسقاط النظام، حينها يدرك المصلحون داخل النظام أنه لا بدّ من حدوث تغييرات واسعة يتم من خلالها التنازل عن أجزاء من السلطة في مقابل الاحتفاظ بامتيازات معينة، وذلك بالتفاوض مع النخبة المعارضة التي تدرك بدورها أهمية نبذ الخلافات فيما بينها والتوحد حول الخطوط العريضة التي تضمن لهم الخروج من الوضع القمعي القائم * مع الاتفاق على ترتيبات تضمن استقرار النظام الجديد وتحمي مصالح هذه النخب في الوقت ذاته.

وهذا النمط قد يقود إلى ديمقراطية محدودة ولكنها قابلة للتوسع مع الوقت.

تكمن إجابة التساؤل "هل يحمل عام 2018 أملاً خافتاً في الخروج من المأزق المصري؟" في هذا النمط الأخير من التحول، حيث تتشابه الظروف الحالية في مصر مع اشتراطات هذا النمط، فعلى مستوى المعارضة، أدى القمع الشديد إلى وضع أطيافها المختلفة في خندق واحد على اتساعه وتفاوت الضربات الموجهة إليه.

فسياسات النظام المصري ما بعد 3/7/2013 أدت إلى خروج العديد من حلفائه من معسكره، بل وتحول بعضهم إلى خصوم وأعداء.

فقراراته السياسية دفعت بمجموعة من الشخصيات البارزة خارج صفوفه سريعاً مثل محمد البرادعي يليه مصطفى حجازي ثم زياد بهاء الدين، وحول مؤيدين مثل حازم عبد العظيم وعصام حجي إلى معارضين شرسين.

وعلى مستوى الأحزاب مَثَّل الخلاف الداخلي في حزب المصريين الأحرار الذي انتهى بطرد مؤسسه رجل الأعمال المعروف نجيب ساويرس منه صورة من صور رغبة النظام في تملك خيوط اللعبة السياسية كلها في يده مهما كانت ضآلتها، حيث إن حزب ساويرس لم يكن له من حصة برلمان 3/7 إلا 65 مقعداً من 498 مقعداً، أي بنسبة 13% وهي نسبة لا تجعل له وزناً مؤثراً على الرغم من كونه صاحب أكبر حصة مقاعد في الأحزاب المشاركة.

كما أن النظام شن حملة شرسة على رجال الأعمال بهدف ابتزازهم، فقام بالضغط عليهم للتبرع لصندوق "تحيا مصر"، ورأينا الواقعة المهينة للقبض على رجل الأعمال المعروف "محمد دياب"، ولم يكتفِ النظام بهذا، بل زاد الأمر سوءاً بإحالة أغلب المشاريع إلى الهيئة الهندسية العسكرية مما أضر بالقطاع الخاص ضرراً بالغاً، وجاءت القرارات الاقتصادية الأخيرة لتوجه ضربات قاتلة للمشاريع المتوسطة والصغيرة بل حتى الكبيرة.

وعلى مستوى الحزب الوطني والنظام القديم لم يتمكن النظام الجديد من استيعاب قيادته المليئة بالأشخاص الطموحين لممارسة دور من جديد في الحياة السياسية.

ولا يفوتنا الحركة الشبابية الأبرز 6 أبريل وما تعرض له رموزها من تنكيل وحبس مثل أحمد دومة وأحمد ماهر ومحمد عادل ورامي السيد، بالإضافة لتكبيل قواعد الحركة بقانون التظاهر الذي وقفت ضده حركات المجتمع المدني الحقوقية، والتي لم تسلم بدورها من التنكيل مثل مركز هشام مبارك "الحقوقي" ومركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب.

وفي مقدمة المعارضة يأتي التيار الإسلامي السياسي الذي لم يسلم أي من حركاته أو أحزابه أو جماعاته من الضربات القاتلة، بدءاً من الإخوان ومروراً بالجماعة الإسلامية وحزب الوسط، وانتهاء بحزب النور وحزب مصر القوية اللذين تعرضا للتهميش في النظام الجديد.

أما النظام فقد وصل إلى مرحلة من التدهور الذي لم يعد بالإمكان تداركه، وهو ما يزيد من الهوة بين مؤسساته المختلفة فيما بينها في أسلوب إدارة المرحلة، مما يسمح بوجود مسامات يمكن للمعارضة النفاذ منها.

يوفر لنا عام 2018 فرصة الانتخابات الرئاسية التي قد تمثل الأرضية التي تتوحد عليها المعارضة؛ لتشكل تحالفاً يقف خلف شخص واحد يكون مرشحها لخوض الانتخابات الرئاسية، ويعمل على تحقيق النقاط الآتية:

1- تهدئة مخاوف المؤسسة العسكرية من عملية التحول الديمقراطي والوصول معها للضمانات التي تريدها لضمان عدم عرقلتها للعملية الانتخابية.

2- الظهور بشكل البديل الأفضل والأنسب للنظام القائم بالشكل الذي يهدئ مخاوف الدول الخليجية (السعودية والإمارات) ويقنعها بقبوله ودعمه.

3- إقناعه للولايات المتحدة بأنه القادر على إعادة الاستقرار لمصر ومنعها من الانزلاق نحو ثورة غير معلومة العواقب أو حرب أهلية تزيد من أزمة اللاجئين وتهدد أمن إسرائيل أو أزمة اقتصادية تضر بمصالحها في المنطقة، خاصة مع ما تمارسه الولايات المتحدة من سياسة الباب الموارب التي تمارس من خلالها الضغط على النظام من خلال تخفيض المعونة الأميركية أو التجاوب مع تقارير منظمة العفو الدولية أو هيومان رايتس ووتش.

4- إقناع هذه الجهات الثلاث بالضغط على النظام الحالي لتوفير أجواء انتخابية حقيقية وآمنة مع وجود الرقابة الدولية عليها.

وهناك من الشخصيات المطروحة على الساحة من يحمل من المواصفات ما يؤهله لأن يكون مرشح المعارضة الذي يحقق النقاط السابقة مثل الفريق أحمد شفيق أو الفريق سامي عنان أو اللواء مراد موافي رئيس المخابرات العامة الأسبق، أو من الشخصيات المدنية عمرو موسى أو محمد البرادعي، وذلك لخلفيتهم سواء في التعامل مع الدولة العميقة عموماً أو المؤسسة العسكرية خصوصاً، وكذلك علاقتهم الجيدة بالخارج.

ولكن عليه أولاً أن يضمن تأييد قواعد التيار الإسلامي العريضة له لما ستوفره له من كتلة شعبية ضخمة إن استطاع أن يقدم لها ضمانات هامة مثل خروج المعتقلين وإغلاق القضايا السياسية ورد الممتلكات مع توفير مساحة من الحركة المجتمعية.

وسيتطلب هذا من جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان، تقديم بعض التنازلات الخاصة بممارسة السياسة التي قد تشمل التوقف عن ممارستها لبعض السنوات، ولأن الدعم العلني لهذا المرشح سيعني في أحد أشكاله الاعتراف بما ترتب على 3/7 وهو ما يعد حالياً خطاً أحمر في سياسة جماعة الإخوان يمكن الاكتفاء بالدعم غير المعلن من خلال توجيه القواعد لدعمه بشكل غير مباشر، سواء من خلال الترويج أو التصويت له، وكذلك من خلال توفير الدعم الدبلوماسي له عند الحلفاء الإقليميين للإخوان، والدعم الإعلامي غير المباشر من خلال شبكة القنوات الفضائية التابعة لها.

تُنبئونا العديد من تجارب الدول المشابهة أنه لا سبيل للخروج من الأزمة إلا بتوحد قوى المعارضة المؤثرة والتفاوض والتوصل إلى تسويات وترتيبات مع العناصر الراغبة في التغيير داخل النظام القائم تضمن استقرار النظام الجديد وتضعه على مسار الديمقراطية وتوفر مناسبات الانتقال السياسي أجواء أفضل للمعارضة للتحرك نحو تحقيق ذلك من أي فترة أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.