المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة الشافعي Headshot

صديقتي

تم النشر: تم التحديث:

لم أتخيل يوماً صُحبتها، لَكم نفرت منها حينما كنت ألمحها برفقة أحدهم تبثه مرارتها! كيف يتحمل هؤلاء ذلك الحديث الكئيب الذي أدمنته حتى صار جزءاً من شخصيتها ملازماً لها، عُرِفَت به، حاول الكثير من أصدقائي أن يُقدِّمني لها ويعرفني بها فكنت أعتذر بلباقة بأنني لا أميل إلى هذا النوع من الصداقات.

لا أعرف تحديداً ما الذي حدث لي جعلني أبدأ بالشعور بالميل نحوها، نداءٌ ما بداخلي أخبرني في لحظة انقباض قلبي على ما فيه من ألم بأنها الوحيدة التي تستطيع أن تسمعني، ذهبت إليها وأنا أقدم ساقاً وأؤخِّر الأخرى، سائلاً نفسي: ماذا حدث لي حتى يتغير شعوري نحوها؟!

لربما هو ذلك الحب العابر لتلك الفتاة ذات روح البنفسج، التي سحرتني بحزن عينيها بقدر ما سحرتني بجمالها، فلا أدري بأيهما فُتنت؛ أبجمالها الذي أضفى على الحزن معنىً يخلب اللب؟ أم بحزنها الذي أضفى على الجمال ضعفاً يخفق له القلب؟

أو ربما هو ذلك الأمل الذابل في غدٍ أفضل، تبحث عنه في وطنٍ هو كالفتاة اللعوب؛ كلما ازددت لها حباً زادت عنك نفوراً؛ كلما بذلت لها من دمك أمعنت في ذبحك؛ كلما وهبت لها من الحياة قرَّبتك من الممات؛ تبني لها قصراً فتحفر لك قبراً.

أو ربما هي تلك الصدمة في رفقاء درب، تعاهدنا على وحدة المسير والمصير، تشاركنا الأحلام والمشاريع، رأيت فيهم القائد والأستاذ والمربي، فلما ضاقت السبل وبارت الحيل وعظم الخطب واشتد الكرب، بحثت عنهم فلم أجدهم!

قطع سيل أفكاري مرآها، اقتربت منها ومددت يدي لها، فاقشعرَّ بدني من هذا الدفء الذي سرى في أوصالي من ملامستها، دفء أعادني لأفكاري وسؤالي، ماذا حدث لي لينقلب نفوري منها ميلاً وشوقاً؟

قد يكون هو ذلك الفقد، لذلك الصديق، الذي كان يسمع كلامي قبل أن أنطقه، يخفف ألمي قبل أن أشكوه، أُوقظه في ظلمة الليل ليشاطرني حزناً فلا يتضجر، وأطلبه في زحمة النهار ليحمل عني عبئاً فلا يتأخر، والآن عليه أن يتحمل صوت بكائي الذي يفسد عليه سكون قبره.

أو عساه ذلك القيد الحديدي في يدي، وقد حفر في رسغي خطاً يذكرني دوماً بمعنى أشياء كنت أستعيذ منها ولا أشعر بها، تلك الأشياء صارت هوائي الذي لا أريد أن أتنفسه، ومائي الذي لا أريد أن أشربه- العجز وقهر الرجال.

أو عساه يكون ذلك الشباك ذا القضبان الثقيلة على جدار زنزانتي، الذي جعل ضوء الشمس ضيفاً نادر الوجود يدخل متسللاً متألماً من ضيق الفتحات، شاحباً من رطوبة الجدران التي تستقبله، حزيناً من كآبة الوجوه التي لم تعُد تعبأ به.

ربما لكل هذا وأكثر، غدت هي الوحيدة بمرارتها تلك، القادرة على تحمّل مرارتي، فقرَّبتها من فمي ورشفت منها أول رشفة شعرت معها بصدري يتسع لنفَس عميق خرج كتنهيدة طويلة وقلت لها: "شكراً قهوتي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.