المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. أسامة الأشقر  Headshot

الشَّمَّاسة... أولاد الشمس !

تم النشر: تم التحديث:

في كثير من العواصم العربية تجد في الطرقات الكبيرة وساحاتها ومرافقها العامة فتياناً وفتيات بعمر الزهور يطوفون فرادى وجماعات تظهر في وجوههم مظاهر السعادة والتبسّط، يتصرفون بغير مبالاة، لا يعرفون قانوناً، ولا كبيراً... كل مجموعة فيهم لها رئيسها وسيدها، تجده عادةً يمتاز بالجرأة وحلاوة اللسان وابتداع المصطلحات الطريفة وإطلاق المسميات المضحكة على الأشخاص المألوفين الجدد ، وحوله أتباع مخلصون ينفذون أوامره ما دام يفتح لهم طريق الحصول على الطعام والشراب وأنواع المكيِّفات.

تجدهم في غالب الوقت في حالة شرود أو غياب جزئي للإدراك أو "مسطولين" من شم البنزين النفوذ الرائحة، أو شم مادة "السلسيون" تلك المادة اللاصقة المستخدمة في رتق إطارات السيارات المثقوبة، وعادة ما يتعاطونها وهم في مجموعة ملتصقة ببعضها في الأماكن المفتوحة أو وهم ممددون في صفوف في المناطق المغلقة.

هؤلاء الأطفال الذين يعيشون في الهامش الفقير البعيد عن المجتمع والدولة والمؤسسات والمساجد والكنائس والهيئات الاجتماعية... يظلون في الهامش حتى تأتي جهات ما فتقذف بهم في معركة ما، فقد تجدهم يشاركون في قمع تظاهرات سلمية، أو يخترقون هذه التظاهرات باعتداءات على المرافق العامة والخاصة بالحرق أو تكسير واجهاتها الزجاجية أو تلطيخها بالدهان والقاذورات أو تكسير الصرافات أو تهشيم زجاج السيارات المتوقفة... وغالباً ما يجري تجنيدهم في مهمات خاصة على يد محترفين متصلين بأجهزة أمنية أو حزبية أو إجرامية؛ وربما استغلتهم المنظومات الرسمية أو شبه الرسمية ذات الطبيعة الشمولية الديكتاتورية لتصفية حساباتها مع الخصوم السياسيين، وتأديبهم بهم، إذ إن هؤلاء الشمّاسة سذّج لا حسابات لديهم سوى قضاء يومهم بما توفّر.

عندما تجلس إليهم يظهر لك حجم المأساة التي يعيشها هؤلاء، فبعضهم أيتام، وبعضهم لفظهم المجتمع بسبب جرائم ارتكبوها وهربوا من الإصلاحيات أو تخرجوا فيها مجرمين مؤثرين، ولكن الكثير منهم لهم عائلات لكنها عائلات فككها الفقر أو الخلافات الزوجية والعائلية.

يحبون من يحنو عليهم ويمد لهم العون ويرسم على وجوههم الابتسامة، لا يحبون الأوامر ولا الإرشادات من أحد غير زعيمهم الضاحك الجريء ، ويعشقون النكتة التي يجدون فيها تسليتهم، وهم منتمون جداً لبعضهم، والطريف أن لهم لغتهم الخاصة في مسائل الحياة كافة ولا سيما تلك التي تصف أفراد الشرطة أو الفتيات المتبذلات أو صنوف الاحتيالات، مما نحتاج فيه إلى قاموس عريض يحتشد بتلك التعبيرات الغريبة والمضحكة لتفكيك معانيها وبيان حقائق مجازاتها.

يعيشون في الشوارع والمجاري والخيران، ولهم تقاليدهم المتجددة في الزواج حيث لا دين ولا قانون ولا إرشاد، تجد الفتاة الصغيرة تتزوج من ثلاثة وأربعة وربما أكثر، وإذا أنجبت فإن الجميع يعدّ نفسه أباً لطفلها، لكن واحداً منهم تختاره ليكون الأب الحقيقي، وربما اكتفت بواحد.

وكثيراً ما تجد عندهم أيضاً الخصومات العنيفة التي تتركز في الغالب على المال والفتيات وأمكنة التجول، مما يجعلهم مادة للعصابات المحترفة التي تطور فيها نوازع الشر المتغلّبة.

وفي حالة وفاة أحدهم، وهي حالات كثيرة فإنهم يجتمعون عليه باكين، ثم يتركونه في مكانه الذي يحبه كالنائم، يتركونه مستلقياً على كرتونة جديدة تحت شجرة خضراء وارفة الظلال أو سور مسجد جامع... هي بمثابة سرير الموت، وبجواره أدواته التي يعبث بها ويحب استخدامها.

حياتهم تدين كل واحد منا، إنهم قنبلة هائلة، وهم أيضاً جنود جريئون، يحتاجون إلى سياق عاطفي مُقنع ينتشلهم من حياتهم ويؤدي بهم إلى حياة كريمة.

وكثيراً ما كنتُ أقول للمسؤولين والمعنيين إن خير مكان يحتوي هؤلاء هو سلك العسكرية التي تؤويهم وتطعمهم وتبهر شخصيتهم الباحثة عن القوة المتمتّعة بالجرأة وانتفاء الخوف، وتجدهم ملائمين أيضاً لحراسة الحدود والمسالك الصعبة، ومع ذلك كله فإنهم يحتاجون إلى بيئة تربوية جديدة تمنحهم فرصة التواصل مع مجتمع آخر تسود فيه قيم التهذيب والذوق والأخلاق الحميدة، ويحتاجون أيضاً إلى برامج حقيقية تجعلهم يدركون معنى النظام الاجتماعي والأهلي والمنظومة القانونية الحاكمة والضابطة لحركة المجتمع.