المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة عبد الكريم Headshot

"نيش" البيت السياسي

تم النشر: تم التحديث:

هناك أشياء اعتدنا على وجودها في حياتنا ولا ندري ما الهدف منها وقدر الاستفادة العائدة علينا من ورائها، سوى عادات وتقاليد فرضها علينا مجتمعنا أو تتم استعارتها من المجتمعات الآخرى، رغم أنها تكبدنا أموالاً باهظة تنفق فقط لمجرد إضفاء دور تكميلي وإظهار شكل جمالي، ومن بين تلك الأشياء التي انتشرت في مجتمعنا إدخال جهاز "النيش" من ضمن أجهزة الزواج، رغم تكلفته الغالية وفائدته المعدومة.

"1"
"النيش" أحد مكونات غرفة السفرة وهو دولاب لأطقم الشاى والأطباق والكريستال والتحف الثمينة، وأيضاً يحتوي على مجموعة من أفخم أنواع الأدوات المنزلية والأواني كالأطباق والفناجين وأطقم الصيني، مرصوصة بحرفية ويختلف تجهيزه من منزل لآخر حسب المستوى الاجتماعي لصاحب البيت واجهته وجانبيه من الزجاج لإظهار ما بداخله ومدعوم بهيكل وقوام خشبي.

مبنى البرلمان تحفة معمارية ضخمة وشاهقة أنشئت على الطراز الأوروبي، يحوي بداخله صوراً تسرد تاريخ رؤوساء وملوك مصر السابقين ورؤوساء البرلمان، وبداخله متحف يضم مستنسخات أثرية لأقدم القوانين والمعاهدات وبعض الهدايا التي قدمت للبرلمان عبر التاريخ.

"2"
يتكلف تجهيز "النيش" مصاريف باهظة، ويتم الإنفاق عليه بسخاء ويكبد أهل العروس أموالاً تذهب هباءً، ليست إلا لهدف واحد، وهو التباهي والفخر "الفشخرة" بين الجيران ليس إلا، وسط مجتمع يعاني من الإسراف والبذخ على الأنتيكات أكثر من أي شيء آخر، دون النظر عن مستوى المعيشة.

انتخابات البرلمان كبدت الدولة ملايين الجنيهات، حيث وصلت تكلفة انتخابات برلمان 2015 إلى 2 مليار و600 مليون جنيه من ميزانية الدولة، وبلغ حجم الإنفاق على الدعاية الانتخابية للمرشحين أكثر من 37 مليار جنيه، كما تقترب موازنة مجلس النواب من المليار، تحديداً 997 مليون جنيه.

"3"
النيش لا يضفي أي إيجابية تذكر لأصحاب الدار، ولا يعود عليهم بالنفع سوى أنه يشغل حيزاً متسعاً من السكن، ويحتل ركناً إستراتيجياً من منطقة "الصالة" بالشقة أو إحدى غرف السكن، ولا يستخدم إلا كزينة أو ديكور "كماليات بالشقة".

لا يهتم البرلمان بهموم المواطن منذ انعقاد جلساته في 10 يناير من العام الجاري وحتى الآن، سوى رفض قانون الخدمة المدنية، وبشكل عفوي دون قراءة أو دراسة ومحاولة لكسب تعاطف الشارع، مع العلم أن أغلب النواب لم يطلع على القانون ولا يعلم ما بداخله، وتم الرفض من أجل الرفض وخطأ الحكومة في تسويقه وإقناع النواب.

البرلمان لم يتخذ أي مواقف إيجابية تذكر حيال مشاكل المواطن واكتفى بدور المشاهد لمواجهة غلاء الأسعار الأساسية وأسعار الأدوية، ووقف مكتوف الأيدي أمام اعتداءات الشرطة على المواطنين ومتضرري حريق الرويعي، وفشل في حل أزمة الصحفيين والداخلية، والفصل في قضية تيران وصنافير.

"4"
لا يكون جهاز النيش جاهزاً إلا في المناسبات الخاصة ويتم اللجوء إليه فقط كواجهة مشرفة أمام الضيوف، ويتم الاستعانة بمحتوياته خلال "العزومات" لأشخاص من خارج المنطقة، وقد لا يأتون إلى المنزل إلا مرة واحدة على فترات زمنية متباعدة أو مناسبات الخاصة وعامة.

لم يفلح البرلمان سوى في تنظيم العديد من الزيارات الخارجية للبرلمان الأوروبي والإفريقي، وكذلك استقبال 5 رؤوساء دول، وعديد من الوفود الخارجية سواء أوروبية وإفريقية وآسيوية.

"5"
تواجده من عدمه سيان، لا يضفى وجوده سعادة على الحياة الزوجية، ولا يسبب غيابه خللاً في الشكل الجمالي للسكن، ويمكن الاستغناء عنه واستمرار الحياة بدونه.

لم يتغير حال المواطن كثيراً قبل انتخابات البرلمان وبعد انعقاده، فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ولا يحرك ساكناً في التعامل مع الأزمات التي تطحن عظام المواطن البسيط.

"6"
يحظى "النيش" في المنزل باهتمام بالغ ويحتل منزله رفيعه، ويتمتع بقدر من الاهتمام والرعاية، ويقع تحت حراسة مشددة من ربة المنزل، من حاول الاقتراب أو اللمس، قد يعرض حياته للخطر.

يحتل البرلمان أهمية بالغة من الدولة، ويشهد تكثيف أمني مشدد حوله من الخارج وتواجد مكثف من الداخل، بمجرد ما تطأ قدمك وتعبر البوابات الإلكترونية ذات الحراسات الأمنية المشددة تكاد أن ترى في خطوة تخطوها رجلاً شرطياً في جنبات المبنى الضخم.

"7"
ولازمة النيش وعدم أهميته في البيت لا يختلف عليها اثنان، سوى أنه ديكور
ويساهم في إدخال السرور والبهجة على العروس والتفاخر تحت بند "بنتنا مش أقل من قريناتها، وبنت خالتها مش أحسن منها".

وصل المواطن لمرحلة اللامبالاة وعدم الشعور بأهمية البرلمان، وفقدان الثقة في أمله الأخير الذي عول عليه كثيراً لتغيير أوضاعه، ويبدو أنه قد خاب ظنه وكان في غير محله.

"8"
ويبقى "النيش" نموذجاً واضحاً وشاهداً على كم الإنفاق والبذخ الذي يعيشه المجتمع على الشكليات فقط دون النظر للجوهر والهدف، لذا لا بد أن نتخذ موقفاً حاسماً لتحديد مهام النيش في حياتنا، ونعلنها بكل صراحة "بلاها نيش.. يا نحله يا نبيعه".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.