المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمران محمد ظهراب Headshot

أرسلت إليك روسيا طلب صداقة

تم النشر: تم التحديث:

روسيا التي تعد نفسها من الدول العظمى، لطالما أرادت التدخل في الشرق الأوسط، وتكون لها نفوذاً، ودائماً ما كانت تستخدم الكرد وسيلة لها للتدخل في سوريا والعراق وإيران وتركيا.

الاهتمام الروسي بالكرد قديم؛ حيث يعود لبداية القرن التاسع، عندما بدا لروسيا القيصرية أهمية دورهم في حروبها مع الدولتين العثمانية والفارسية؛ إذ نظرت روسيا إلى الكرد دوماً كمحاربين أشداء يمكن الوثوق بهم مقابل مساعدات عسكرية ومالية ووعود بإقامة دولة، ومن شواهد ذلك:

إقامة جمهورية مهاباد الكردية في إيران عام 1946م، كانت بدعم مباشر من القوات السوفييتية التي دخلت عاصمة الجمهورية لتوطيد الحكم الكردي الجديد بقيادة قاضي محمد، لكن سرعان ما تخلت روسيا عن الجمهورية الوليدة بعد صفقات نفطية مع حكم الشاه وضغوط بريطانية قوية، وهكذا لم تصمد جمهورية مهاباد سوى 11 شهراً لتنهار بعدها على وقع دخول الجيش الإيراني عاصمتها.

وكان أبرز دعم روسي للكرد في عهد الاتحاد السوفييتي السابق عندما استقبل مصطفى بارزاني، الزعيم السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني وزعيم الثورة الكردية آنذاك لمدة 12 عاماً (1947 - 1958م) بعد انهيار الثورة في مدينة مهاباد في كردستان إيران.

وكان للسلطات الروسية آنذاك دور في اتفاقية الحادي عشر من مارس/آذار عام 1970م بين الكرد والحكومة المركزية في العراق التي نصت على وقف القتال بين الجانبين، ومنح الكرد بموجبها الحكم الذاتي في المناطق التي تشكل الآن إقليم كردستان قبل إلغاء الاتفاقية في عام 1974م.

أما في سوريا، وهذا ما أريد التحدث عنه بالضبط، فمع بداية التدخل العسكري الروسي في سوريا، وبعد أن تطور الوضع في سوريا، ودخول روسيا أخيراً دائرة الصراع لحماية نظام بشار الأسد من السقوط، خرج الكرد عن حيادهم، وهنا بدا أن غزلاً روسياً يتدفق باتجاه كرد سوريا، خصوصاً بعد أن أصبحوا رقماً صعباً ومهماً في شمال سوريا وشرقها، ولا سيما بعد معركة كوباني التي نجح الكرد فيها بإلحاق أول هزيمة عسكرية بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحينها باتت روسيا مدركة لأهمية دور الكرد ليس على صعيد محاربة داعش فحسب؛ بل في مجمل الأزمة السورية، فباتت ترسل طلبات صداقة إلى كل الأطراف الكردية في غرب كوردستان بأسماء مستعارة كثيرة (صديق الكرد القطبي، حامي الأقليات، رمز المساواة، واهب الحريات، محارب الإرهاب..).

إلا أن الموقف روسيا حول الأكراد ينطوي على بعض التباينات، فعلى صعيد العلاقات الروسيّة - الكرديّة، يواجه صنّاع القرار الروس مسألتين أساسيّتين هما السبب في عدم استمرارية العلاقة مع الكرد، وهذا ما سيحدث باعتقادي، وهما:

يعتقد بعض المحللين والدبلوماسيين الروس من جهة، أنه بسبب الحجم السكاني للكرد والقوة العسكرية التي مارسها الكرد في سوريا والعراق، ستقوم دولة كردية في المنطقة في مرحلة ما.

ويرى هؤلاء أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولاً كبيراً؛ إذ يلعب الكرد دوراً رئيسياً في المعارك الحيوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المتطرفة، وقد يستخدمون انتصاراتهم هذه لإضفاء الشرعية على مطالبتهم بإقامة دولة.

يرى هؤلاء بعبارة أخرى أنه على موسكو أن تكون مستعدة لمعالجة ما قد يراه الكرد فرصة تاريخية، وهو ما صرح به عضو في اللجنة الرئاسية الروسية "ستكون لهم دولتهم عاجلاً أم آجلاً وذلك بشكل أو بآخر".

من جهة أخرى، يدرك مراقبون وهم أكثر حذراً، بما في ذلك بعض الشخصيات الحكومية، أن تجزئة المنطقة من شأنها أن تؤدي إلى عواقب وخيمة وغير متوقعة وتكون لها نتائج قد ترتدّ بشكل عكسي على الراعين لها.

باختصار ترسم روسيا بحذر سياستها تجاه الكرد، وتسعى إلى لعب دور رائد من دون الإساءة إلى أي من الأطراف.

ليس هذا النمط السياسي بجديد بالنسبة لموسكو، ففي عام 2007، عندما فتحت روسيا قنصلية في أربيل في كردستان العراق، امتنع الروس عن الدخول في عدد من المشاريع المربحة من أجل تجنب إزعاج بغداد، وكذلك عندما زودت أكراد العراق بالأسلحة والذخيرة، تمّت العمليّة بشكل كبير من خلال الحكومة المركزية في العراق، وذلك لإظهار أنها لم تكن تقوّض سلامة الدولة.

لذلك عندما فتحت إدارة الحكم الذاتي في روج آفا أول مكتب تمثيلي خارجي لها في موسكو، أشار ذلك إلى أن الأكراد السوريين يسعون إلى تعزيز قضيّتين على الأقل؛ الأولى، أن تدعم موسكو الحكم الذاتي في سوريا بموجب دستور جديد، والثانية التأكد أن تضمن روسيا استقلاليتها بعد انتهاء الحرب في سوريا، ولا شكّ أن موسكو افتخرت بكونها أول من استضاف هذه المؤسسة، إلا أنه بما يتعلّق بالوضع القانوني للمكتب، فقد اعتبرت منظمة غير حكومية، وليس بعثة دبلوماسية، إضافة إلى ذلك، لم يحضر مسؤولون حكوميون أو دبلوماسيون روس أو حتى أعضاء الأحزاب السياسية حفل الافتتاح.

كان لروسيا في الوقت نفسه مصالحها الخاصة في استضافة المكتب، منها نية موسكو بناء علاقات مع الكرد وأيضاً محاولة إرسال رسالة إلى الأسد مفادها أن لديها خيارات أخرى.

ومن مصالح روسيا الخارجية، أن تسبق الأميركيين، التي لطالما دعمت الكرد عسكرياً، إلا أن الولايات المتحدة تردّدت في الاقتراب من الجماعات الكردية السورية؛ إذ رفضت وزارة الخارجية الأميركيّة "إقامة مناطق ذات حكم ذاتي أو شبه مستقلة داخل سوريا".

أما المصلحة الخارجية الثانية فتتعلّق بتركيا، وهي مبنيّة على ثلاثة اعتبارات رئيسية:
- رأت موسكو أن أنقرة تعتبر إنشاء الحكم الذاتي الكردي في سوريا سابقة خطيرة فيما يتعلّق بمناطق الحكم الذاتي الكردية في أي مكان آخر، والتي يمكن أن تتوحّد في نهاية المطاف لتصبح دولة.

- بما أن أنقرة تعتبر القوى الديمقراطية السورية حليفاً لحزب العمال الكردستاني، فإنّ من شأن إقامة حكم ذاتي قوي في سوريا دون سواها أن يساعد الكرد في تركيا سياسياً وعسكرياً.

- من شأن الحكم الذاتي أن يقضي على نية أنقرة بالسيطرة على شمال سوريا لإقامة منطقة عازلة بين المناطق الكردية في سوريا وتركيا.

على الرغم من أن موسكو قد عبّرت عن اهتمام حقيقي في القضايا الكردية، فإنها لا تزال حذرة حتى الآن في تقديم الدعم الفعلي، يعود ذلك جزئياً إلى تاريخ الكرد في الصراعات الداخلية والمقاربات المتفاوتة لتحقيق أهدافهم، وفي بعض الأحيان، عبّرت بعض الجماعات عن مواقف أقل ودّية تجاه موسكو.

كما أن مشهد الانفتاح الأميركي الروسي على الكرد يبدو وكأنه يسير في سباق محموم على كسب ولاء الكرد؛ ليبقى السؤال هنا: كيف سيدير الكرد معركة التنافس الأميركي الروسي على كسبهم في الصراع الحالي؟ وهل سينجحون في نقل العلاقة بهم من العامل الأمني إلى السياسي؟

بمعنى آخر: هل ينجحون في جعل هذه العلاقة سياسية تصب في صالح الاعتراف بقضيتهم في المنطقة، بدلاً من التعامل معهم كورقة أمنية تستخدم في هذه الظروف أو تلك، قبل أن تتم التضحية بهم، ويصبحوا كبش فداء على مذبح المصالح بين الدول الكبرى؟

ومن الواضح أن الكرد يعطون حتى الآن الأولوية لتحالفهم مع واشنطن، ويبدو أن روسيا تدرك هذا الأمر؛ لذا تستمر في تقديم المزيد من الخطوات للفوز بهم.

ولكن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من التجربة التاريخية لهذه العلاقة هو غياب الثقة انطلاقاً من قاعدة التضحية بالكرد حين يأتي وقت المصالح مع الدول المعنية.

أيها الكردي.. من يحمل حقيبته السياسية ومن يحمل سلاحه، لقد أرسلت إليك روسيا طلب صداقة، الأفضل لك أن تضغط (تجاهل)؛ لأنك إن قبلت صداقته فهو سيلغي صداقتك يوماً ما.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.