المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمران الاركاني Headshot

ليتَ الذي يدرّسنا يربّينا كذلك!

تم النشر: تم التحديث:

في خلال المراحل التي درستها في حياتي، أكثر من ستة عشر عامًا من الاعتكاف في المدارس والجامعة.. وجدتّ أن غالب الذين كانوا يدرّسونا -جزاهم الله عنّا خيرًا- كانوا يلقّنوننا المعلومة تلقينًا مجرّدًا من ربطها مع الجانب السلوكي أو الأخلاقي!

من يتدبّر في سورة الطلاق، يجدُ أن الله ربط الطلاق وهو حكمٌ فقهي، بمعاني التقوى.. وقد ربطها عدّة مرّات، ليعلمنا المنهج التربوي الذي يجب أن نسلكه في مدارسنا!

أذكرُ أني درست في إحدى المدارس كتابًا مخصصًا في الفقه الحنبليّ، تقرأ من أول الكتاب إلى آخره لا تكاد تجدُ ربطًا بالمسائل الفقهية المطروحة في الكتاب الضخم وبين الأخلاق والسلوك، والشيخ الذي يأتيك يفكّ مصطلحات الكتاب سيملي عليك أحكام المذهب بشكلٍ سرديّ، مع ترجيح أدلة المذهب باستخدام علم المنطق وأدوات أصول الفقه الصارمة!

القراءة الحرّة علمتني أن شريعتنا الغرّاء جاءت ومعها مقاصد كلّية عظيمة، بجوار الأحكام الجزئيّة.. والذي يطلّع على كتاب الموافقات للشاطبي -رحمه الله، وكتب الغزاليّ عمومًا يجد أنهم اجتهدوا اجتهادا بالغًا بالمقاصد الشرعية..

تتساءلُ أحيانًا: لماذا أصبحت خطاباتنا الدينية في كثيرٍ منها مجرّد آياتٍ وأحاديث تُلقى، دون اعتبارٍ كبير لأصول الأخلاق التي تعتبر جزءًا أساسيًّا من ديننا العظيم!

كثيرٌ من الذين درستُ على أيديهم، كانوا رسُل إيصال للمعلومة، أمّا الذين كنتُ أتعلّم من أفعالهم أقلّ بكثيرٍ من الذين كنت أتعلم من أقوالهم!

أحدُ الذين درست عليه اللغة في الجامعة، وكنتُ أسمعه كثيرًا يتحدث عن فضائل الأخلاق والانضباط بالمواعيد، وكان يسخرُ من الطالب الذي يتأخر على موعد المحاضرة، حتى إنه كان يطردُه بجلافة أحيانًا موضحًا أنّه بطرده يربّيه على الالتزام بالمواعيد!

بعد سنوات.. أردتّ ذات الدكتور في استشارة معيّنة لمصلحة أمتنا، وبعدَ جهدٍ جهيد استطعتُ أن آخذ منه موعدًا، فلما ذهبت إليه في الموعد المحدد، تخلّف!

وضربتُ معه موعدًا آخر، وتخلّف.. والتقيتُ به في دولة أخرى فأعرَض عنّي وكأنه لا يعرفني، وتعاملَ معي بأسلوب المتعالي وكأنّي "شحّاذ" على باب الله!

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت .. مسافة الخلف بين القول والعمل!

إننا بحاجة اليوم كدعاة للإسلام إلى أن ندرك -كما أشار إليه المفكّر عبدالحليم عويس- أنّه ليس بدروس الوعظ وحدها، ولا بالعلم وحده يعرف حقيقة الناس، فعلمٌ دون عمل صالحٍ لا قيمةَ له، والقدوةُ بالفعل أهمُّ من كُلِّ صور البلاغة بالقول، وعظمة الأنبياء -عليهم السلام- وخاتمهم إمام المتقين محمد -صلى الله عليه وسلم- إنما تتجلَّى في تحقيقهم (القدوة المثلى) في كُلِّ ما يقولون!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.