المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمنية الخياط Headshot

لماذا قد يفشلُ الزواج؟

تم النشر: تم التحديث:

إن أكثرَ ما يفسد الزواج هو الصور الذهنية التي ننشأ بها وتكوّن وعينا عن العلاقة بين الرجل والمرأة. هذه الصورة تشكل قطبين متطرفين يمثلان شذوذ الواقع لا حقيقته.

مطبّاتٌ ذهنية
الصورة الأولى تنشأ في مراهقتنا، حين يتفتح إدراكنا العاطفي ونبدأ في نسج أكثر الصور عذوبة عن العلاقة بين الرجل والمرأة، ولأننا في مجتمع إسلامي، فإننا نعي جيداً منذ نعومة اظافرنا أن الحب لا تجوز ممارسته أو الاستمتاع به كاملاً إلا في اطار الزواج، ومن هنا نبدأ في ربط كل المشاهد الرومانسية والوردية بالزواج، ونظل نبني أحلامنا ونشكل وعينا ونغذي دورتنا العاطفية بانتظار حدوث الزواج.

الصورة الثانية تبدأ بعد تجاوز العشرين بقليل، حين نبدأ في الاستماع إلى تجارب الأصدقاء والأقارب والأخوات، هنا يأتي المطب الثاني وهو تشكيل وعينا وصورتنا الذهنية عن الزواج من خبرات الآخرين.

صورتان متطرفتان عن الزواج إحداهما تقتبس أكثر المشاهد رومانسية- وهي مجرد لقطة من لقطات الحياة- والأخرى تقتبس أكثر الوجوه قبحا- وهذا نادراً ما يحدث نعم.. نادراً لأن أغلب ما يقال عن خمول الحب بعد الزواج هو تحايل بشكل من الأشكال على الحقيقة.

دعونا هنا نتفق أنه لا أحد ينقل الصورة حقيقية تماماً، كلنا نبالغ، كلنا ننقل المواقف اللحظية لا العامة، كلنا نتحدث من موقع خبرتنا التي قد تختلف جذرياً مع خبرة من ننصحهم. هذه التعريجات الكثيرة في العلاقة بين الرجل والمرأة تتفاوت بين البشر بتفاوت ألواننا وأحجامنا وبصمات أيدينا وأعيننا.. لكم أن تتخيلوا كم الاختلافات.

لا أقول هنا أن نتوقف عن نصيحة بعضنا البعض، لكن النصيحة الحسنة مقبولة، أما خبرتك السيئة فلك أن تصمت عنها تماماً، أو أن تنبه الآخر منها دون تعقيده أو تنفيره من الإقدام على الزواج.

كنّ أكثر وعياً في اختيارك.

إنني أكاد أجزم أن أغلب الأزواج سعيدون في علاقاتهم الزوجية، لكنهم لا يتذكرون.. تماماً مثل عدم تذكرنا لدعواتنا المستجابة. ننساها.. ننساها تماما.. ونتذكر فقط ما لم يتحقق.. وفي الزواج. نتمنى بطمع، وتتراص كل الصور الذهنية من الأفلام والمسلسلات والروايات والأغاني حتى تشكيل وعينا ونتحرك في العلاقة بصور هشة لا تعبر عنا ولا عن حقيقة مشاعرنا.. فنَظلم، ونُظلم!

توقفوا عن المقارنات، حتى لو مع كلمات أغنية يخاطب فيها رجل حبيبته! أو مشهد بين أنثى جميلة تتدلل على حبيبها! توقفوا فوراً عن هذه المشاهد..
عيشوا الواقع أكثر.. تورطوا فيه.. وتأملوا ردود أفعالكم الحقيقة.

انظروا إلى أحبائكم مجردين.. مجردين تماماً من أموالهم، وأصولهم العقارية، وأصولهم العائلية، ومسماهم الوظيفي.

جردوهم من كل شيء وانظروا إلى إنسانيتهم ومشاعرهم الحقيقية. هذه المشاعر هي التي تظهر حين ينتهي صخب الزفاف وتقفان أمام بعضكم البعض مجردين من كل شيء إلا قلوبكما.. هذه الطريقة قاسية في الحكم على الآخر.. قاسية جداً لأنها كثيراً ما تفضح ما نحاول التغاضي عنه بمميزات حياتية أخرى. تجد من توافق على رجل يعمل بمرتب مغر وهو هادئ الطباع ومحافظ وكتوم، وهي شقية ومنطلقة، لكنها توافق لأنه رجل به كل المميزات ولا يرفض، ولأنها ستتمكن من العيش بطريقة ميسورة معه.

ليكن، تزوجيه، لكن لا تكثري الشكوى حول طباعكما المتنافرة كتنافر الشرق والغرب والسالب والموجب، وتقولي إنه لا يفهمني. بالتأكيد لا يفهمك، ولن.. لأنك أعليت قيمة الاستقرار المادي على الاستقرار الفكري والعاطفي والتقارب الروحاني.

اذا كنت تحبين رجلاً صاخباً، متحركاً، مقداماً، لا تتزوجي البطيء الكتوم الهادئ حتى لو ملك ثمن الشقة والشبكة والأثاث والمعيشة الميسرة، لأنك بعد أن تملكي كل هذه الأشياء، ستعتدينها وتنظرين بغيرة إلى الزوج المقدام، الشقي المبادر.

وأنت تضعين أولوياتك في اختيار زوجك، أو وأنت تضع أولوياتك في فتاة أحلامك، اعلم جيداً جدا أنك لن تحصل على كل شيء.. هناك أشياء كثيرة ستفقدها، وأخرى ستنالها، ولكن سأقول لكم سراً: "يمكنك أن تأخذ كل شيء فقط بترتيب أولوياتك في الاختيار" كيف؟ فقط بأن تعلي من "قيمة" الأشياء على "ثمنها"

أعلي كثيراً من قيمة الرجل المحب، الذي يحادثك ليطمئن على عودتك مساء أو لا يخجل من فتح باب سيارة الأجرة لك، أو النظر إليك وسط جمع، ودائما ما يسير ويداكما متشابكتان، هذا الرجل لا تفرطي فيه.. حتى لو لم يملك ثمن الشبكة التي تطمحين.

لأن هذه العاطفة تؤجج الحماس، هذه العاطفة هي البذرة التي يمكن زراعتها وريّها والاعتناء بها حتى تثمر بكل خيرات الأرض.

لهذا، اذا ملكت العاطفة الصادقة، قد تصادفين خللاً في بعض الامور المادية والحياتية، لا عليكما.. امضيا في عاطفتكما الصادقة وتلحفا بالصبر، فهو مفتاح الفرج حقيقة.

أعرف جيداً أن هناك الكثيرين ممن يقرأون يزمون شفاهم ويقولون: "هه.. كان يعشقني قبل الزواج وتغير تماماً حتى صار لا يراني"

هنا يمكن أن أقول بحزم: "راجعي معنى العشق في قاموس الحب، لأن هناك عشقاً للروح والقلوب، وعشقا للملذات"

يذهب المال، وتذهب الصحة، وتذهب الألقاب والمسميات الوظيفية، ينقلب السيد خادماً، ويرتفع الخادم سيداً، وتدور الأيام بين البشر الكل يشرب من نفس موضع الآخر، فنتبادل الأدوار بمهارة مدهشة، فلا تغتر بمنصبك ولا بمالك ولا بحسنك، لأن هذا الفقير المعدم غير الجذاب ستبادله مكانك في يوم من الأيام في لمح البصر دون أن تدرك حتى أنك قد برحت مكانك.