المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الشمري Headshot

المجتمعات العربية تحت ماكينة الاختبار التماسكي

تم النشر: تم التحديث:

تعاني المجتمعات العربية عمومًا وبلاد الربيع العربي خصوصًا من تفكك واضح في قاعدة بنيان المجتمع بعد الأحداث الأخيرة التي من آثاراها أنها صدّعت البناء الاجتماعي والتماسك بين أبناء البلد الواحد، والسبب هو تنوع الأفكار وتتداخل الموضوعات والاعتزاز بالرأي وتقديمه، مع إقصاء الرأي الآخر وتهميشه، ويحدث هذا في بلاد كثيرة على سبيل المثال -لا الحصر- العراق واليمن وسوريا وليبيا ومصر، وهنا تظهر قوة المجتمعات عندما تكون على المحك وعلى ماكينة الاختبار، فعند الهدوء السياسي وعدم وجود القلاقل والاضطرابات والحراك نجد المجتمعات تتمتع بشئ من التماسك والهدوء الظاهر والاتجاه الواحد، ولكن أظهرت ثورات الربيع العربي حقيقة المجتمعات العربية وما يكمن فيها، وكشفت الغطاء عن حقيقة هذه المجتمعات وهنا يتبين لنا مدى القوة الحقيقة التي كانت تتمتع بها المجتمعات العربية وما هي عوامل القوة والضعف فيها.

في كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين" وهو كتاب ماتع أنصح بقراءته، يطرح الدكتور ماجد الكيلاني فكرة، مفادها أن كل مجتمع يتكون من ثلاثة عناصر رئيسة هي: الأفكار، والأشخاص، والأشياء، وحسب نوع العلاقة تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات ويتشكل محور الولاءات في المتجمع "فأقوى المجتمعات تماسكًا هي التي تتمحور حول الأفكار، وهنا يبرز دورها ومدى تحكمها في أفراد المجتمع وما هي نوعية الأفكار التي كانوا يتعاملون بها ومدى إيمانهم بها، فغالبية الشعوب العربية اليوم لم تتربَّ على الفكرة بغض النظر عن الأشخاص، وإنما ينخر في عقولهم فكرة الشخص نفسه والولاء له ومتابعته واللهج باسمه وتلميعه، لذلك لمّا يسقط الشخص أو القائد تتلفّت الجموع ذات اليمين وذات الشمال بحثًا عن شخص للإيمان به.

بما أنني من العراق وأعايش واقع العراقيين فهم ينقسمون إلى طائفتين السنة والشيعة، وفي كل انتخابات يقوم الشيعة بانتخاب المسؤولين الشيعة وبالمقابل يقوم السنة بانتخاب المسؤولين السنة، ليس مشكلة في ذلك على ما يبدو، لكن القضية الكبرى لما يكون هؤلاء المسؤولين متربعين على هرم الفساد الإداري والمالي، وفي كل مرّة يقوم الناخبون بانتخابهم، وهذا هو تقديم الأشخاص على الأفكار فالناخبون عندنا لا يبحثون عن أفكار تورث صلاحًا بل يبحثون عن أشخاص بحكم المذهب والطائفة بغض النظر عن الفكرة التي تكون في الانتخابات هي "البرنامج الانتخابي".

وهنا نعود إلى الدكتورالكيلاني ليأخذنا إلى كبد الحقيقة فيقول: عندما يكون الولاء لـ"الأشخاص" هو المحور، وتدور "الأفكار والأشياء" في فلك الأشخاص فإن السمة الغالبه للمجتمع تصبح هيمنة محبي الجاه والنفوذ وأصحاب القوة، ويُسَخّرون الأفكار والأشياء لمصالحهم الشخصية أو لعشائرهم أو لطوائفهم أو لأحزابهم، وينحصر التفكير والفهم في أُطر العائلة أو الطائفة أو العشيرة أو الحزب أو الإقليم.

وهكذا تعيش اليوم أغلب مجتمعاتنا العربية في أطر الأشخاص دون الأفكار فانتخاباتنا على أسس شخصية وولاءاتنا على أسس شخصية، على العكس من الكثير من المجتمعات الغربية التي يكون ولاؤها للقيم وللأفكار دون النظر إلى الأشخاص ومن يطبق هذه الأفكار والقيم، وهذه ربما مراحل متقدمة تصل إليها المجتمعات بعد سنين من التعليم ونشر ثقافة "الفكرة أو القيمة".

ماذا نحتاج في عالمنا العربي؟
نحتاج في عالمنا العربي أن تُوجّه الجماهير نحو الأفكار والقيم، وأن يعملَ إعلامُنا العربي بهذا الاتجاه بكل قوّة، فالتجربة الغربية اليوم ظاهرة للعيان عندما تتّجه المجتمعات نحو القيم مثل: حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرّية، ثقافة الاختلاف، أي نوع من القيم، ولكل مجتمع قيمه وأفكاره التي يتّبعها سواءً الدينية أو المجتمعية، عندئذ ستتعلق المجتمعات بالقيم لا بالأشخاص، وستتغيّر الحكومات والمسؤولون على مرِّ السنين، لكن يظل المجتمع متمسكًا بقيمه وأفكاره.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.