المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الحمدي Headshot

كل شيء يعمل لصالحك.. حتى المصائب

تم النشر: تم التحديث:

ذكر صاحب البودكاست الصوتي (Read to Lead) الذي ينشر حلقات صوتية أسبوعية حول كتب مختارة ويقابل الكتاب في برنامجه المميز، ذكر أنه كان قد اشترى "تي شيرت" من إحدى الشركات الناشئة لتجربته، لكن للأسف لم يكن مناسباً له، في حقيقة الأمر أنه قد أظهر مدى سمنته وعدم اتساق جسمه، ولم يكن العيب من قطعة الملابس تلك فقد كانت ملائمة لمقاسه، لكن المشكلة كانت في جسمه الذي بدأ يسمن ويترهل، فكان الأمر مخيباً للأمل، فهو قد خسر مبلغاً محترماً من أجل شيء لن ينتفع به، لكن الذي حدث هو عكس ذلك، فقطعة الملابس تلك كانت سبباً في إحداث تغيير كبير في حياته.

لقد كان ذلك الـ"تي شيرت" سبباً في أن يقرر أن يمارس الرياضة المنتظمة من أجل إنقاص وزنه، فمن بعدها بدأ -ولعدة شهور- في الجري اليومي كل صباح لمسافة كبيرة بهدف إنقاص وزنه والوصول إلى الجسم المثالي، من أجل أن يرى نفسه جميل المظهر متسق القوام، وكي يعود للبس ذلك الـ"تي شيرت" من جديد، كانت تلك الحادثة البسيطة، التي قد تكون نقطة مخيبة للأمل من بين مئات النقاط الصغيرة التي قد تتعرض للإنسان في حياته، سبباً في خير عظيم وإنجاز كبير؛ حيث يحكي لنا أنه بعد أربعة أشهر كان قد خسر أكثر من 20 كيلوغراماً من وزنه.

في سورة الكهف مواضع لتأملات عظيمة، ورحلة معرفية يستكشف التالي لكتاب الله معها الكثير من الأمور المتعلقة بالحياة والعمل والإنجاز الشخصي، ومن ضمن الرسائل المهمة التي تصل للأذهان بشكل لافت هو الفهم الإيجابي للأحداث السلبية والمصائب التي تقع للإنسان في حياته، فعبر ثلاثة أحداث متتالية تقع لنبي الله موسى والخضر عليهما السلام، يوصل القرآن رسالة مركزة أن ما قد تراه أنت شراً ومصيبة قد يكون في حقيقة الأمر خيراً ومنفعة.

هل هنالك ما هو أشد على الإنسان من فقد الولد؟ أن يموت فلذة كبدك فلا تراه بعدها في هذه الحياة الدنيا، ومع ذلك قد يكون في موت الولد خير للأب والأم؛ حيث نعرف من قصة النبي موسى والخضر -عليهما السلام- أن الخضر قد قتل غلاماً "فَانْطَلَقَا حَتَّى إذا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً" (الكهف: 74)، لكن بعد ذلك عندما بدأ الخضر بشرح الأسباب الحقيقية لكل ما تم فعله في الرحلة وضح السبب، وقال: "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً" (الكهف: 80-81).

نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن الفعل نفسه، لكن عن الحكمة من وراء الأحداث، تلك الأحداث التي قد تحدث لك وليس لك فيها حيلة، المصائب التي تأتيك بغير إرادتك، الأزمات التي قد تحدث لك أو لبلدتك أو حتى لشعبك وأمتك، رغم أنها مصيبة ولا أحد يحب أن تقع المصائب أو يتمنى الكوارث، فإنها -في اعتقادي- يمكن أن تتحول إلى سبب لخير ما يكون في صالحك، إن أنت أحسنت استقبال الرسالة والتعامل مع المشكلة.

في قصة الـ"تي شيرت" السابقة، كان من الممكن أن يتوقف الرجل عند الحدث نفسه، لم يعجبه فيرميه ويستمر في الحياة وحينها سيحرم نفسه ذلك الخير القادم من خلف تلك الحادثة السلبية البسيطة التي ربما عكرت عليه مزاج يومه، لكنه مضى ولم يبالِ، لكن على العكس من ذلك، فهو قد وصل ربما للغاية من وراء تلك الحادثة إلى الهدف الرئيسي، لم يكن اللبس فقط، لكن ربما كان الهدف من تلك القطعة هو أن تصنع له حافزاً داخلياً قوياً يؤدي به إلى إنقاص وزنه والعودة إلى الوزن الصحي، هذا الأمر الذي قد يكون له فوائد أخرى غائبة عن البال، وربما دفعت عنه مصائب كبيرة لم تكن في الحسبان.

أظن أنك قد سمعت قصة الملك والوزير الذي كان دائم القول "لعله خير" في كل الأحداث والمصائب -بغض النظر عن حقيقة وقوع القصة من عدمه- حتى بعد أن وقع الملك في حفرة ونزفت إصبعه ثم أمر الطبيب أن تقطع، كان الوزير مستمراً بقول جملة "لعله خير"، وحين غضب الملك من تعامله هذا مع جميع الأحداث والمصائب، أمر به أن يلقى في السجن، فلم يقل الوزير إلا جملته المشهورة "لعله خير"، وفيما بعد تبين أنه فعلاً كان خيراً للملك، ذلك الحادث وقطع إصبعه كان خيراً له، فلقد وقع أسير قبيلة أرادت أن تقدمه قرباناً لآلهتها، لكن عندما وجدوا أنه مقطوع الإصبع، تركوه في حال سبيله؛ لأنهم يريدون تقديم قربان ناقص الأعضاء، فحينها تبين للملك أن تلك المصيبة -قطع الإصبع- كانت سبباً في نجاته من الموت، فكانت خيراً له بالفعل.

ما أجمل أن تظل هذه العبارة رطبة على ألسنتنا "لعله خير"، ما أجمل أن تتحلى قلوبنا بهذه الإيجابية والتفاؤل في جميع ما يحدث لنا! ما أجمل أن تكون نظرتنا للحياة والأحداث نظرة مختلفة عن النظرة التقليدية، تبحث من زوايا مختلفة عن الفرص السانحة والخيرات المحتملة من أي مشكلة أو مصيبة، لكن لا تكتفي فقط بالنظر والتأمل، بل كذلك يتعبها عمل لتحويل كل الحدث السلبي إلى إيجابي، وتبديل الحزن القابع في النفس أو المرسوم في وجوه الآخرين إلى بسمة وفرحة.

أليست تلك المصائب والملَمَّات التي تحدث لنا تسهم في تذليل القلب إلى الخالق سبحانه وإعادتنا إلى محراب السجود والبكاء والتذلل لرب الخلائق؟ وحينها لا يكون الخير فقط في فرج الله القادم من السماء، لكن الفائدة الأكبر هي عودة القلب لربه ورجوعه لصراطه، وليس الله محتاجاً لدعائنا أو خضوعنا، لكن ذلك القلب يَصلُح حاله ويستقيم أمره كلما كان قريباً من خالقه، وحين يصلح القلب تصلح حياة الفرد؛ لذا فالهدف الذي قد لا تراه أنت، قد يكون إصلاح حياتك -عبر الرجوع إلى خالقك- ومن ثم إصلاح المجتمع-فهو مكون من أفراد- وعودة الحياة إلى مسارها الصحيح الذي فيه خيرها ومصلحتها.

لست بكلامي هذا أدعو لأن نعيش في عالم مليء بالأحزان والآلام ونحن مبتسمون ابتسامة باهتة نرى الحقائق بنظارة وردية تعمينا عن إدراك المشكلات، لا بل أدعو إلى البحث المستمر عن الرسالة القادمة من أي حدث سلبي يحيط بنا، تلك الرسالة التي يمكن الاستفادة منها لتطوير حياتنا وحياة من حولنا، فكل حدث يحدث لك وكل مصيبة تقع عليك من ورائها رسالة، واللبيب من بحث عن تلك الرسائل وحاول اكتشاف مضامينها، وأنا أظنك من أولي الألباب صديقي القارئ، فهيا بنا نمضي في رحلة الحياة بهذه النفسية المتفائلة؛ لأن الحياة حينها ستكون مختلفة كثيراً، وستكون النهاية سعيدة، بإذن الله تعالى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.