المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر طلعت  Headshot

ثم أقرأ عن التصوف

تم النشر: تم التحديث:

"ضع جنيهاً واحصل على كرة بلاستيكية", رأيتُ هذه الجملةَ مكتوبةً على آلةٍ تحملُ العديد من الكرات البلاستيكية الملونة في ركنٍ من أركان الدور الثاني في أحد "المولات" الكبيرة.

منظر الكرات مغرٍ لأعين الأطفال التي تنجذب للألوان انجذاب المعادن للمغناطيس. نمر نحن الكبار بجانب الآلة غير مكترثين, لا تجذبنا الألوان ولا الكرات, ثم نمر أمام محالٍ أخرى بها من المتاع الكثير ولكنه متاعٌ لا نحتاجه حقاً, ولكننا نكترث. وفي أوقاتٍ عديدةٍ تصل درجة اكتراثنا لأن ننهمك في الشراء بمبالغ وهمية من جيوبنا وأوقاتنا من أجل شئ ليس مهماً على الإطلاق.

جلست في مقعد قَصي في الدور الثاني ذي المحال الفارهة التي أرتادها دائماً, أرتاح من تعب التسوق ومن تعب تدفق الأفكار. أعلم أنهم يستغلونني, وأني لا أحتاج كل هذا لأعيش, يكفيني القليل فقط لأعيش راضياً, ولكن اتخاذ قرارٍ حاسم بهذا الشأن ليس بهذه السهولة.

دائمًا ما تعجبني تجارب من استطاعوا التخلص من قيود حياتهم, من عرفوا ما يحتاجونه حقًا وما يهم. الأمر يتطلب شجاعة لا أملكها, أنا أهتم بآراء من حولي, بشعورهم تجاهي, برؤية أسرتي لي, لا أريد أن يرى ابني أنّي أقل من آباء زملائه, لا أريد أن يركب مرؤوسي سيارة أفضل من سيارتي ولا أن يرتدي بدلة أفخم من بدلاتي ذات المبالغ التي تحتوي أصفارًا يعلم الله وحده كيف قبلوا بوقاحة أن يجاورا بعضهم بعضاً بعددهم هذا ليشكلوا هذا الرقم.

يقولون إن البؤس وأنت تقضي إجازتك في أفخم منتجعات العالم أفضل من البؤس في أي مكان آخر, ولكن هذا ليس صحيحًا أبدًا. البؤس واحد في أي مكان.

وجودك في أفخم منتجعات العالم لن يخفف عنك إذا فقدت عزيزًا ولن يقلل بؤسك إن شعرت بالوحدة. بالتأكيد أُفَضلُ الغني على الفقر, وبالتأكيد أُكِنُ كل احترامٍ وتبجيلٍ لأفضل المنتجعات وما تقدمه من رفاهية لا أستطيع التخلي عنها, وبالتأكيد أحب أوقاتي هناك, ولكني عندما شعرت بحزن حقيقي, ذلك الحزن الذي يهزك هزًا كريحٍ صرصرٍ عاتية فتخور قواك, ثم يضرب ضربته القاضية فيقتلعك من جذورك فلا تملك أن تقاوم, ثم يقوم بحركته الأخيرة فيطوحك في الهواء فتشعر أنك بلا وزن, بلا جاذبية, معلقٌ في الهواء فلا تملك الطيران ولا تملك العودة إلى الأرض, ثم ينتشر الخدر في جسدك وعقلك وإحساسك, فتشعر بنقص الهواء الذي يدخل رئتيك, ورغبة في الابتعاد, وزهد في الحياة.. هذا الحزن عندما ضربني علمت أن كل ما أملك ليس ذا قيمة, إطلاقًا.

حياتي العاطفية انتهت منذ سنين, عندما استحال زواجي لزواجٍ رسمي بين اثنين من عائلتين غنيتين. بعد سنتين أو ثلاثة لا أذكر تحديدًا, أصبحنا كنزلاء فندق لم تجد إدارة الفندق غرفتين شاغرتين لهما فحشراهما في غرفة واحدة مضطرين كارهين.

أما أولادي فلا أراهم تقريبًا. فإما أنا في العمل, وإما هم بالخارج. نشأوا وتربوا في غيابي فاعتادوه, وأَلِفتُ أنا غيابهم عني. أصبحت كقريبهم من بعيد, ذاك السخيف الذي يرونه في المناسبات فيقرصهم من خدهم قائلًا بلزاجة: "كبرت يا حبيبي"، ثم يحيلهم لزوجته التي تحتضنهم وتقبلهم وهي تقول كلامًا عن أنها رأتهم منذ كانوا في "اللفة" وما إلى ذلك من دروس التاريخ.

أشعر أحيانًا أني سجين, سجين عملي ومنصبي ومكانتي الاجتماعية, سجينٌ في بيتي, في سريري, استحال العالم سجنًا ومكانتي وعملي كلاهما سجّانًا لعينًا.

أحيانًا أقرأ عن التصوف, فأتيه في دروبه, وأهيم بنصوصه, وأُبَجلُ رجاله. ثم ما ألبث بعد دقائق أن أدرك أني لست أهلًا له, لست زاهدًا, لست مُحبًا بلا مقابل, لست نقيًا, لست متجردًا, لست مستسلمًا للإرادة العليا للكون, أحب أن أتصارع, أن أملك, أن أدخل المعارك وأفوز بها. فأدرك أني لست أهلًا له, وأن أمامي الكثير للوصول, بل إني قد لا أصل أبدًا, فأبكي, ثم أعود لقراءة قصيدة عن العشق الإلهي فتنهمر الدموع أكثر, يا ربي أريد هذا العشق الدافئ, أريد دفئًا في هذه الحياة قارسة البرودة, تجمدت أوصالي يا إلهي من البرد فهل من بُرْدَةٍ أرتديها؟ بُرْدَةُ عطفك وفيضك, هل لي من نصيب؟ وعندما لا أتلقى إجابة, أدرك أني لست أهلًا له. فتأتيني زوجتي وأنا في قلب معركتي الوجدانية, فتباغتني بأمر سخيف, فأرد عليها بأن امكثي مكانك إني آنست نارًا, لعلي آتيكي منها بقبس أو أجد على النار هُدى, فأنتظر أن تكون كزوجة موسى وتنتظر, ولكنها تُفَضلُ سلوك زوجة لوط, فأفكر في أمر الله للوط بترك زوجته والذهاب بعيدًا عن قومه بعدما لاقى منهم, فأعزم على الذهاب, ثم أتذكر أنّي مُكَبَلٌ بماديات الحياة وأن روحي ليست بخفة المتصوفة الكرام, فتشتاق روحي لأقوالهم, وأعزم سلك دروب التصوف, ثم أعود لأدرك أني لست أهلًا له, ثم أعود, ثم أقرأ عن التصوف.

أفقت من تأملاتي في مقعدي القَصِيّ على صوت طفل من آلة بيع الكرات يدنو, رأيت في يديه جنيهًا فأدخله الآلة, صدر صوت خفيض منها ونزلت كرة تتدحرج في ممرات داخلية, راقبها الطفل بعيون تقطر شغفًا كأنه سيتلقى مال الدنيا, تحرك قلبه مع حركتها, وتَبِعَتْ عيناه نزولها وألوانها الزاهية, خرجت الكرة فتناولها بسرعة وجرى, راقبتُه وهو يتجه لأبيه مسرعًا فيحتضنه أبوه بلهفة ودفء وعينا الطفل تَشعان سعادةً, فأجد نفسي أقوم مذهولًا وأخرج جنيهًا من جيبي, فتقودني قدماي للآلة ذات الكرات البلاستيكية الملونة, وأرى الورقة المكتوب عليها "ضع جنيهًا واحصل على كرة بلاستيكية", فأمتثل للأمر كأنه صادر من الله, فأضع جنيهًا وأنتظر كرتي لتنزل كأنها الخلاص, فألتقطها, ثم أمشي إلى باب "المول" مزهوًا بانتصاري.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.