المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر طلعت  Headshot

سعيكم مشكورٌ

تم النشر: تم التحديث:

تارة أنظر للأرض وتارة أحدق في الجالسين, تارة أركز سمعي على المقرئ الذي يصدح صوته بالقرآن وتارة أتوه فلا أكاد أسمع إلا همسًا, تارة أتعظ من الموت وتارة لا آبه, هكذا أنا في كل مرة.

وحين أُحدق في الجالسين لا أستطيع أن أُميّز أهم حقًا حزانى أم هم هنا بدافع المجاملة لا غير؟ أرى القادم منهم إلى مدخل السرادق يُجهز نفسه استعدادًا لرسم الحزن على وجهه, ثم يدخل علي ذوي المُتَوَفَى فيسلم وهو في غاية التأثر ويتمتم بأن البقاء لله وهو ينتظر الرد المعتاد بأن البقية في حياته, وما إن يقول جملته ويسمع الرد عليها من كل الجالسين في مدخل السرادق حتى يقبع في مكان قصيٍ فيفعل مثل فعلي, ينظر في الأرض تارة ويحدق في الجالسين تارة أخرى.

لا أحب مراسم العزاء لأني أراها مكانًا للمنافقين ومصدرًا للإزعاج.
لا أحد هنا حزين حقًا, ولا أحد هنا مُطالبٌ بالحزن إلا نفرٌ قليل.

ما إن انتهى المقرئ من ربعه الأول حتي هب نصف الحاضرين وغادروا السرادق, فقد أدى كل منهم الواجب وانتهى الأمر, وبالطبع يخرجون وهم يرددون بأن البقاء لله ويدعون بأن يكون هذا آخر الأحزان, فيسمعون الرد بأن سعيكم مشكور وينتهي الأمر بالنسبة إليهم, فليعد الجميع إلى حياتهم.

بقيت مع قليلين انتظروا إما خجلًا من الخروج مبكرًا وإما ليستكملوا كوبًا من الشاي أو فنجانًا من القهوة, لا أظنهم بقوا للاستماع لباقي الأرباع فصوت المقرئ لم يكن جيدًا علي أية حال.

بدأ الربع الثاني, ووسط التيه والجميع شرودٌ, انتبهت لبكاءٍ خفيضٍ قادمٍ من إحدى الجهات, نظرت فوجدت ابن الفقيد يبكي بهدوء خشية أعين المتطفلين. لم أُطل النظر, فحرمة البكاء لدي كحرمة الموت. أنت الوحيد الحزين هنا, أنت الفاقد حقًا ونحن كلنا حمقى متطفلون جاؤوا ليثبتوا أنهم أهل واجب ووفاء, أثق أنك تتمنى الآن أن نرحل, أو أن تطردنا, أو أن تُخلفنا وراءك وتهرع إلى بيتك, ثم إلى غرفتك فتطفئ أنوارها وتغلق بابها ثم تُغرق الأرض ببكائك. حرمة البكاء كحرمة الموت, فكما نغطي وجه الميت يحب الباكي أن يتغطى فلا يراه الناس, البكاء الصادق تلزمه الوحدة.
يعتقد الناس أن مراسم الحزن تستلزم المواساة, ولكني لا أراها كذلك.

الحزن طقس يستلزم الخلوة, والخلوة تستلزم البُعد, والبعد يستلزم نأي الناس, ونأي الناس يستلزم الإحساس, والإحساس يتطلب التجربة, والتجربة تقتضي الحزن, ولهذا فطقس الحزن دائري الشكل, يدور ويعود لنقطة البدء, لن يقدر الحزن قدره إلا من ذاقه وعرفه ودار في دائرته.

للناس في الحزن فنون, وفن الحزن عندي تلزمه الخلوة, ولهذا أكره مراسم العزاء, ولكني كهؤلاء المنافقين الجالسين لا نريد أن يُقال عنّا أننا لسنا أصحاب واجب.
العزاء سيقام بي أو بدوني, فطالما أن رسالتي في الخلوة لن تصل, وحضوري لن يمنع الحزين من الاختلاء, فلأحضر لكي لا أُوصف بعدم الوفاء.

الربع الثالث يبدأ, وعدد الحضور أصبح لا يتعدى سبعة, ونحن ثلاثة فقط ليسوا على درجة قرب شديدة بالمتوفي, أما الباقون فطبيعي أن يبقوا.
شربت فنجان القهوة متفرسًا في زميليّ الباقيين, الأول يجلس أمامي مباشرة, أشيب الشعر كثير التجاعيد وقور الملامح, يظهر على وجهه التأثر مما يسمع من تلاوة.
تفرست فيه محاولًا معرفة سبب بقائه, قد يكون شاعرًا بالاتعاظ أكثر منّا جميعًا لكبر سنه رغم أن الموت لا يأبه لهذا الأمر, أو قد يكون معجبًا بصوت المقرئ, قد يكون محرجًا أيضّا من ترك العزاء خاويًا هكذا, أو من الممكن أنه لا يملك شيئًا أفضل ليقوم به, لا أستطيع الجزم بشيء.

الآخر شاب في الثلاثينيات حسب ظني, أصلع الرأس تمامًا يرتدي نظارات دائرية ويبدو عليه التيه, أظن أنه موجود هنا لأنه نسي أنه هنا. لعله يفكر في مصاريف بيته, أو في عمله المتهالك إن كان يمتلك واحدًا, أو لعل المانع هو كرهه العودة لزوجته الكئيبة, وقد يكون السبب هو فنجان القهوة الذي يشربه وهو مستمرٌ في تيهه.

بدأ الربع الرابع.

تفرست في الجالس الثالث, أنا.

لست حزينًا للغاية فالفقيد لم يكن مقربًا مني ولهذا سأستبعد سبب الحزن, بالتأكيد لست هنا من أجل القهوة المجانية فجيبي به من المال ما يستطيع شراء القهوة دون أن أجوع لباقي الشهر. لست أمتلك زوجة كئيبة أكره العودة للبيت بسببها. ليس هناك ما يشغل بالي في هذه اللحظة سوى تأملاتي, وهي لا تستلزم البقاء هنا. أهو شعور التعاطف؟ لا. أظن أن السبب هو إحساسي الدائم بأني مسئول عن تدارك الوضع.
منظر العزاء وهو خاوٍ قد يحزن أهل المتوفي, ولهذت أبقى حتي يجدوا بعض السلوى والأنس, هكذا أنا دائمًا أفكر في تصحيح ما قد يكون فاسدًا حتى وإن لم يكن هذا شأني, وحتى إن لم أكن مقتنعًا أن في وجود الناس سلوى, فقد يكون ابن المُتَوَفَى مثلًا مقتنعا بهذا.
الأمر الآخر الذي قد يكون سببًا في بقائي هو أني لا أملك شيئًا لأعود إليه, لا شيء ينتظرني أو أنتظره. سأعود لأقبع في غرفتي وحيدًا, فلم الاستعجال؟

انتهى الربع الرابع, ذهبت إلى أهل المتوفي وسلّمت عليهم وأنا أتمتم بأن البقاء لله فتمتموا بأن سعيي مشكور.
توقفت أمام الابن المكلوم, تبادلنا النظرات للحظات, عينه تنطق بالكثير وأنا أُجيد قراءة العيون, هو يعلم ما أفكر به, يعلم أني أُقَدرُ حزنه وأُقَدرُ رغبته في رمينا خارج السرادق, نظراته توحي بالفهم والإدراك لكل شيء, سلّمت عليه وتركته داعيًا الله أن يهبه من الخلوة ما يريد, ثم عدت أدراجي طالبًا الخلوة مثله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.