المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر مسلم Headshot

انثى في مرايا الشتات

تم النشر: تم التحديث:

ارتدِ قبعة من أكوام الزمن، وتلمَّس وميضاً من شرارات السماء المتساقطة حين البرق، ولا تنسَ أن تعزز نفسك ببطارية احتياطية من أحلامك، تعيد شحن وميضك كُلما خفَت نوره أو تأخرت عاصفة، ثم تحزّم بالصفصاف وموّه نفسك بأوراق السرو، وتقدم بخطوات خفيّة كما الظلال العابرة، تفحّص الدرب في كل خطوة، واهتم بتفاصيل الأشياء حينما تقع بصيرتك عليها، وقل لي بعد أنّ تقطع مسافة من حلم: هل وجدتها؟

لا تنخدع، فثقب النور الذي يتراءى لك في نهاية الدرب ليس له أيّ صلة قرابة بعينيها، فهي لا تجلس في نهايات الدروب تتلمس الياسمين، ولا تنتظر بلهفة وصول أيّ مستكشف، حتى إن خدعتك الرائحة وتتبعت مصدر العبق، لن تصل إليها، فهي لا تتنفس الهواء لتبعث أنفاسها كما تفعل أنت حين تلهث من كثرة التعب في البحث عنها، إني أظنها تتنفس الضوء وتموّه بقايا زفيرها ببضعة ألحان خافتة زاهية، كالطيف المنقسم لأصل ألوانه، ولن تجدها.

اركض ما شئت من مسافات وفراسخ، واقطع ما استطعت من كواكب ومجرات، فلا أظن أنها ثابتة في كيانها، بل حُرة التنقل بين النجوم، لن تدري من عظمة الوجود من أين تبدأ، نعم ستتوه في وسط الدرب الذي تظن أنه يؤدي إليها، ربما قد تسمع بضع ترانيم عذرية تطرق أبواب أذنيك؛ ليتهيأ لك أنك بدأت تُصغي لاهتزازات تصدر من أعماق حنجرتها، لا أبداً، فما تلك الترانيم سوى صداها الذي ينبهك بطريقة سحرية، عليك أن تفهمها جيداً؛ لأنها لا تحتاج إلى تلك المساحة من الفراغ حتى تملأها، فذلك سر يجب أن تتعلمه في كل حين، إن المكان لا يتسع لامتداداتها؛ لأنها ببساطة، تصنع لنفسها مكمناً فتاكاً بين الكلمات، وأنا بتّ أظن لدرجة تلامس أفق اليقين أنها تتمدد على الأحرف في سطر مجهول، لا يُقرأ بما تعرفه من أبجديات؛ لذلك لن تجدها.

ربما تظن في برهة أنك إن تتبعت خارطة الجداول لا بد أن تصل لمنابعها، ولكني أعلم سلفاً أنها ليست من قاطني المنابع العذبة، فذلك فراغ يُغري الأقلام باجتياحه، صحيح أنها لا تأبه لبداية المعارك مع اللغة، فهي أرقُّ من أن تخوض حرباً بلا معنى.
لتعلم إذاً أن سبيل الجداول منتهاه إليها، وفي مكان ما فيها، لا أعلمه بشكل واضح، تصب ما تحمله من مياه لامعة كالشفق، دعني أكرر لك، لن تجدها، فلا تتحذلق وتناضل كصياد الحيتان في محيطات اليأس، الأمر ليس بحثاً عن موجود كباقي الكائنات، إنك تبحث عمّا يتكون بداخلها، وهذا لن تصل إليه بجهد أو مثابرة.

أنا شخصياً حاولت سابقاً أن أتتبع النبضات؛ لأني كنت على قدر من الظن يخبرني بأن القلوب لا تتوه، ولكني اكتشفت أمراً غريباً، أن القلوب رغم نبضها الواضح فإنها تختلف في معاني إشاراتها، ربما هي شيفرة من نوع ما، نوع سامٍ لا ندركه إلا حين نجد التفاصيل ذوات الروائح الغنية بالجمال، ورغم ذلك دعني أُعطيك إشارة بأسلوب الطلاسم والخرافات، فلعلّك لم تقتنع بعد، لن تجدها.

أنا لا أريد أن يحيط اليأس بك وبمحاولاتك، ولا أريد منك أن تفقد الأمل أو حتى خيطه، ولكني أعترف لك أني بحثت كثيراً بقصد أو بغير قصد، ولم أجدها؛ لذلك ارتأيت لقناعة حكيمة، رغم أن القناعة استسلام ورضوخ لجدال الحياة، ولكن لن ينفع التمرد هنا بقدر ما تستطيع القناعة أن تزيد من جَلدِك؛ لأن البحث عن أنثى لا يصح أن يكون واضحاً كتراتُب النجوم عند المساء، ولا بخارطة من وحي السماء؛ لذلك دعك من مغامرات الحب النمطية، فالأنثى ليست كنزاً أو متاعاً أو نصفاً مقسوماً عن نصفك، إنما هي قطعة كاملة من الرنين المُتزن، هي مثل أغنية من لحن وكلمات تُحرك فيك مملكة الخيال، فإن لم تُحسن الإصغاء لتلك الحلقات المنبعثة من اصطدام الرنين بمياه الفجر، وتفهم بعضاً من كُنهها، لن تجدها.

دع عن منكبَيك كُثبان الأنقاض، وترجل عن كبوة الدروب التي لا تؤدي إليها، فإنّ الحب يا صديقي أن تذهب لتقتني قميصاً فتعجبك قبعة، ثم تخرج من المكان وقد تشبثت يداك بكتاب، تابع قراءته كل مساء، وضع العلامات الصفراء على الجمل التي تتساقط في نفسك، وتجعل أعماقك تهتز، هل فهمت، إنها من تجعلك تهتز من الداخل!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.