المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر مسلم Headshot

لعنة المزاج

تم النشر: تم التحديث:

ولأني قررت الكتابة عن "المزاج"، لم أدرِ من أين أبدأ! لا أعلم كم منكم أو منكنّ يشاركني هذه التقلبات الذهنية والمزاجية، غير المحكومة حقيقةً بمؤثر خارجي بقدر ما هي وليدة أفكار ومشاعر داخلية، تطرأ فجأة وتتحول إلى لوحة لا تستطيع الوصول لحكم واضح عليها، إن كانت جميلة أو قبيحة، إيجابية أو سلبية، ناعمة أو خشنة. ثم إن المزعج في هذا الحدث، ذلك الإحساس الذي يتملكك بمسؤولية ما تجاه تأمّل تفاصيل هذه اللوحة الفكرية أو الشعورية، ومحاولة إبداع عملية فهْم مريحة لألوانها وتفاصيلها، حتى إنك بعد ذلك تقوم بتفكيكها إلى أجزاء، تتفحّصها مجدداً بطريقة مجهرية مرتبطة بالأسلوب الذي تعي به الأمور، وعند هضمها وفهم عللها، ينتابك شعور بتفاهتها، وتلوم نفسك لدرجة أنك قد تتهم عقلك بالغباء وبسطحية اهتماماته، وذلك بالضبط يحدث عندما تكون انتقلت إلى حالة أخرى ومختلفة كلياً في أسبابها ومؤثراتها، وتبدأ بالتفكير وأنت داخل اللوحة الجديدة التي تكونت بداخلك.

أنت على يقينيْن اثنيْن حينها، بأن ما تحس به حقيقي وناضج، ولكن في اللحظة ذاتها أنت تعلم أنه مؤقَّت سيزول بعد فترة زمنية. نعم، قد يتكرر لاحقاً، ولكن إلى حين أن يتكرر ستبقى تراه تافهاً، لدرجة أن بعض السلوكيات أو حتى الأفكار التي كنت تدّعي بقوة أنها عظيمة وتُنهك نفسك ليل نهار دفاعاً عنها، ما إن تقرأ وتفهم ثم تعي أمراً جديداً يُضاف إلى عالم أفكارك، حتى تبدأ بالاستهزاء بنفسك القديمة سراً، في أعماقك تغتابها وتضحك أحياناً على سطحيتها، وتدرك أيضاً أنه بعد فترة زمنية ستستهزئ بما تشعر بعظمته الآن.

بل أكثر من هذا، عندما تكون في مرحلة ما تملك طموحاً يكون من أحد الدوافع القوية في حياتك، وتكون مقتنعاً اقتناعاً راسخاً بأن سعادتك محكومة بتحقيقه، أي عندما تصل إليه ستكون قد حققت الصدارة والنجاح، ثم بعد عدة تجارب ومحاولات حثيثة تصل إليه فعلاً أو تملكه وتحصل عليه، لكن لا تشعر بذلك الإحساس الذي طالما تملّكك حينما كنت تناضل في طريقك للوصول.

يُقال في مجال علم النفس إن هذه حالة مَرَضية تُدعى "المزاج المتقلب"، أو "اضطراب المزاج الدوري"، وإن العلم لم يتوصل بعدُ لسبب واضح لهذا المرض الذي يصيب 1% من الناس، وعادةً ما تظهر أعراض هذا المرض في فترة المراهقة وتتطور في مرحلة الشباب بشكل ملحوظ، وإنها تحتاج لعلاج طويل الأمد قد يستمر مدى حياة الشخص المريض.

وأنا أظن أن هذا الأمر "التقلبات المزاجية"، بوصفها مرضاً أو حالة وجدانية، تكون ذات تأثير كبير بشقَيْها السلبي والإيجابي، كلما كانت مساحة إدراك الشخص كبيرة فهو مرتبط ارتباطاً طردياً بها. وإنه من مصائب الشخص الكبيرة أن يفهم القوانين الطبيعية والعلمية؛ لأنها ولسبب ما وفي أحد تقلباته لن تروق له تلك القوانين التي تُعتبر ثابتة وهو يعلم أن مسألة اختراقها مستحيلة.

نعم، إنه من الغباء جداً أن تكون في لحظة ما قادراً على استيعاب التفاصيل كافة بدقة، وفهم الأحداث باحترافية، إنها علّة العلل وسبب قوي في تشكّل الرؤية العبثية التي ستولد بداخلك عن اللاجدوى، وكأنك تقف على حافَة الوجود بتمرّدك المعتاد، وقهوتك الليلية، وأوراقك المتبعثرة، ولا تستطيع أن تملك الشجاعة الكافية لتقف أمام وعيك وتقول له: كفى تضخماً وتمدداً، كفى تجديفاً في الفراغ! ثم في لحظة أخرى، يتملكك إحساس بنشوة لا تشبه أي نوع من الأحاسيس المتعارف عليها، تحصل عليها عندما يتوسع الوعي خطوةً، تراها كالفراسخ الفلكية من شدة عظمتها، ربما هذه هي اللذة التي تتوق إلى تذوقها في كل مرة ومرحلة وحالة وانتقال.

يملكُ المزاجيون الإرادة الإنسانية مثل غيرهم من الناس العاديين والطبيعيين، وقد يكون إيمانهم بها مرتفعاً أكثر؛ لكون بعضهم يملك مساحة إدراك مميزة تساعده في فهم الإرادة "كما غيرها" بطريقة موضوعية، ولكن لسببٍ لا أعلمه، ولكني متأكد منه، أن ما يحركهم هو إرادة المزاج.

إني أعلم -أيها السادة- أن قسماً كبيراً ممن سيقرأ هذه الكلمات سيتملّكه شعور بالتهكم والاستهزاء؛ لأنه سيراها ساذجة، حتى أنا نفسي أعلم الآن وأنا أكتبها ويتملّكني إحساس بأهميتها، أني بعد فترة سأقرأها وأقرّ، بإصرار، أنها كانت تافهة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.