المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر مسلم Headshot

عن الله.. من القدرة الكُلية إلى القيود المنطقية

تم النشر: تم التحديث:

بعيداً عن المجاملات الدينية الغيبية، لا يتساءل عن قدرة الله على اقتلاع الظلم من جذوره إلا مَن عانى من هذا الظلم، وتكبد خسائر مادية ومعنوية شتى جعلته يميل لتلك الظنون، ودفعته للتساؤل بقوة إن كان الله حقاً هو العدل المطلق، فلمَ كل هذا الشر والظلم في هذه الدنيا التي تحتكم لإرادته بكلمة كُن؟

يجيب معظم رجال الدين عن مثل هذه الأسئلة بأجوبة تتعلق بأن الله لا يُحدث أمراً إلا لحكمة ما أرادها في نفسه، وتلك الحكمة قد نصل إليها بإرادته، وقد تبقى محجوبة عنا بإرادته، فالله لا يصدر عنه إلا الخير، أما الشر فمن أنفسنا ومما اقترفت أيدينا، بهذا يُطلب من المؤمنين التسليم لما يحدث، والإيمان بأن الله أراد ذلك لجلال حكمته.


نعم قد يرى البعض أن هذا الجواب مريح للنفس، ويبعث على الطمأنينة، ولكن البعض أيضاً يرونه غير مريح للعقل.

أما الفلسفة العقلانية (العقلانية ليست أيديولوجيا لها مناصروها كالشيوعية أو الليبرالية أو غيرها، وإنما هي طريقة تفكير تعمل بمركزية العقل داخل أي منظومة فكرية)، لقد رأت أن الله لا يخضع في قراراته للتأثيرات الخارجية مثلنا، وأن خياراته لا ترتبط بأسباب ومؤثرات (السبب والمُسبب، الفعل ورد الفعل)، وإلا سوف تنتفي عنه صفة الحرية المطلقة، فهو متحرر من التأثيرات والعوامل السببية، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن أفعاله عشوائية، وإلا انتفت عنه صفة الحكمة، فلا يمكنه أن يختار القيام بأمر ما وتكون النتائج الصادرة عن هذا الأمر أسوأ من النتائج التي كانت ستظهر إن لم يقُم به.

لكي نستطيع فهم الأحداث الدنيوية يجب أن ترتبط أفعال الله باعتبارات "منطقية" لا تُخالف القوانين والأسباب التي وضعها هو، فعندما ندرس حركة الكواكب بتنا نعلم سلفاً أنها تخضع لعدة قوانين فيزيائية كقوانين الجاذبية والكتلة والسرعة وغيرها، وأن هذه الأجرام محكومة في حركتها ضمن حدود تلك القوانين التي تسري في الكون، فالمؤمن تكفيه الإجابة التي تقول "إن الله خلق هذه الكواكب وهي تسير بقدرته وأمره"، أما العالِم قد يقبل بها، ولكنه حتماً سيبحث بعقله عن الأسباب التي تشكلت من خلالها والقوانين التي تتحرك ضمنها.

أفعال الله وحريته وخياراته تقع ضمن دائرتنا الممكنة منطقياً، فلا يمكن أن يهطل المطر من دون وجود السحب، أو أن تحصل أنثى عزباء على الطلاق، ولا يمكن أن يحصل شخص على دخل بغير عمل، مع أخذ عامل الزمن بعين الاعتبار، فما كان ممكناً منطقياً في الماضي ليس بالضرورة أن يكون ممكناً منطقياً في الحاضر أو المستقبل أو العكس، قد لا يحصل العازب على الطلاق في الماضي، ولكن إن تزوج أصبح ممكناً منطقياً أن يحصل على الطلاق (أي عمل على تغيير الشروط التي حكمت بعدم منطقية حصوله على الطلاق في الماضي)، إن نهوض المنطقة العربية في الماضي وتحول جامعاتها لمراكز علمية كان ممكناً منطقياً؛ لأنهم تحركوا ضمن تلك الأسباب، أما الآن فغير ممكناً منطقياً أن تكون الجامعات العربية مراكز علمية ذات شأن في وضعها الحالي، مهما أقام الطلاب الصلوات ودعوا الله، ولا يستطيع أحد مهما دعا الله أن ينتقل من حال (أ) إلى حال (ب) دونما القيام بأفعال مرتبطة بقوانين منطقية تنتقل به من الحالة (أ) إلى الحالة (ب).

لذلك تعتبر الفلسفة العقلانية أن "أفعال الله وخياراته" في هذه الحياة مقيدة بالقوانين والأسباب السارية التي خلقها هو مع ملاحظة الفرق بأن "الله نفسه ليس مقيداً بتلك القوانين والأسباب"، فلن يناصر الله المظلومين بمعجزات تخرق المنطق، بل عن طريق أسبابه وقوانينه التي خلقها وإن تجاوزها لكان ضعفاً منه منذ البداية عندما خلقها، لن يُهندس الله الوجود ضمن قوانين معينة، ثم يأتي بعد زمن ويقرر تغيير تلك القوانين للأفضل! فالأفضل اختاره منذ البداية، ولا يوجد ما هو أفضل مما اختاره، وإلا انتفت عنه صفة الكمال، وبالتالي الألوهية.

الله كامل الحرية، ومتحرر من القيود السببية، ولكن أفعاله مقيدة بالقيود المنطقية، ربما هذا ما نحن بحاجة لفهمه، والكف عن تحميل الدعاء والابتهال ما لا يحتمله، والحث على تفعيل العقل، والعمل على مجابهة واقعنا المؤسف بالقوانين والأسباب الحقيقية، نعم إن جزءاً من إيماننا بالله تصديقنا بأن القدر يستطيع التغلب على المنطق، وفي الأخير تتفاضل النفوس والعقول.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.