المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر قاسم Headshot

نسيج الزمكان والسفر إلى المستقبل

تم النشر: تم التحديث:

الزمن ليس مفهوماً مطلقاً، كما زعم «إسحاق نيوتن»، الذي اعتبر أن الزمان الموضوعي الرياضي ينساب بدون التأثر بأي شكل خارجي، وذلك في كتابه الشهير «المبادئ العامة للفلسفة الطبيعية».

جاء بعد ذلك الفيزيائي «ألبرت أينشتاين» بعد مجموعة من العلماء الذين مهدوا له، أبرزهم: الفرنسي «هنري بوانكاريه»، ليعطي الزمن صفة «النسبية»، أي: أنه ليس هناك وقت واحد في الكون، بل هناك أوقات، وكل زمن يرتبط بنقطة مرجعية معينة.

كما أن الزمن يعتمد على الحركة ويتشابك مع المكان في نسيج رباعي الأبعاد يُعرف بـ«الزمكان». فكل أمر حدث أو سيحدث موجود على شريحة من الزمكان، والفرق بين الماضي والحاضر والمستقبل هو مجرد وهم. لتبسيط الأمر، يمكنك أن تتخيل الزمن كفيلم سينمائي، وأنت عندما تشاهد هذا الفيلم فستشعر أنك تشاهد لقطات متتابعة، ولكن لا يمكنك أن ترى أكثر من لقطة واحدة في اللحظة نفسها.

فهل يعني هذا أن باقي اللقطات غير موجودة؟ تخيل الآن أن كل لقطة في هذا الفيلم تساوي ما نسميه «الحاضر» الآني، أو ما يحدث في هذه اللحظة، وأننا بدلًا من أن نكون مجرد متفرجين أصبحنا أبطال الفيلم، نعيش ونتحرك بداخله في أبعاده المكانية، فنحن بالتالي لن نستطيع أن ندرك حسياً سوى اللقطة (اللحظة) التي تمر بنا فقط، ولن نستطيع أن نشعر بشكل حسي باللقطات اللاحقة (المستقبل) أو اللقطات السابقة (الماضي)، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن هذه اللقطات غير موجودة في الفيلم، لكن وعينا عاجز عن إدراكها، ومشاهدتها، وهذا بالضبط ما يحدث لنا في الواقع.

من هنا يمكن أن نطرح السؤال التالي: إذا كان الماضي والمستقبل موجودَين في التحام الزمكان، فهل يمكن القفز إلى المستقبل أو العودة إلى الماضي؟

نظريًا السفر إلى المستقبل أمر ممكن. وذلك يعتمد على الاستفادة من خاصيتين في عالم الفيزياء:

الأولى هي الجاذبية التي اعتبر أينشتاين أنها تُشَوَّه في نسيج الزمكان، تؤدي إلى سقوط الأجسام الصغيرة في تلك التشوهات التي تحدثها الأجسام الأكبر، وليست قوة بالمعنى الحرفي، كما تتنبأ الميكانيكا الكلاسيكية، كما أثبتت النظرية النسبية أن الجاذبية تؤثر على الوقت، فكلما كانت الجاذبية أقوى، مرّ الوقت بشكل أبطأ، كما أن الانفلات من عقال الجاذبية يمكن أن يؤدي إلى تسارع الزمن. هذا التأثير ضعيف على كوكب الأرض، لدرجة أننا لا نلاحظه، لكن ذلك لا يعني أنه غير موجود..

فلنفترض أنك تسكن في الطابق الأول في أحد المباني السكنية الكبرى أو ناطحات السحاب، وأن جارك يسكن في أحد الطوابق العليا من المبنى نفسه، فإن الوقت سيمر عندك بشكل أبطأ بقليل من جارك؛ لأن الجاذبية أقوى بقليل قرب الأرض. لن نشعر طبعاً بهذا الفرق؛ لأن رهافة وعينا غير قادرة على تمييز الأزمنة، إذا كانت صغيرة إلى هذا الحد. في المقابل إذا استطعت السفر إلى ثقب أسود، حيث الجاذبية هنالك تبلغ حدوداً ضخمة للغاية، فإن الوقت سيمر عندك بشكل أبطأ، مقارنة بمن يعيش على كوكب الأرض، إذ قد تمر سنوات على سكان الأرض، بينما ستتقدم أنت في العمر بضع دقائق أو ساعات فقط. وعندما تعود من رحلتك في الثقب الأسود إلى كوكب الأرض، فإنك ستجد أنه قد مر الكثير من السنين والأعوام على هذا الكوكب، وستتفاجأ أنك في المستقبل.

ننتقل الآن إلى الخاصية الثانية، وهي الحركة التي كلما كانت أسرع، مر الوقت بشكل أبطأ.. لنضرب مثالًا على ذلك. سنفترض أنك سافرت في مركبة فضائية بسرعة تساوي 99.99999% من سرعة الضوء الذي تبلغ تقريبًا ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، فإن كل سنة تقضيها في المركبة الفضائية بهذه السرعة تساوي 200 سنة على كوكب الأرض، أي أنك إذا سافرت سنة 2016 ميلادياً، وأمضيت سنة في الفضاء بهذه السرعة، ثم عدت إلى الأرض، فإنك ستجد نفسك في سنة 2216 بدلًا من أن تكون في سنة 2017. هذا الأمر يمكن قياسه بشكل دقيق من خلال المعادلات الرياضية في النسبية الخاصة.

يمكن لعشاق أفلام الخيال العلمي أن يشاهدوا فيلم «انترستيلر» للمخرج العبقري «كريستوفر نولن» الذي استطاع أن يترجم هذه الأفكار في صورة إبداعية، من خلال رحلة ملحمية إلى الفضاء، لا تخلو من الإثارة.

لكن ماذا عن العودة إلى الماضي؟

في البداية لا بد أن نفتح قوساً، ونشير إلى أن الماضي موجود حولنا دائماً؛ لأن ما نراه بأعيننا محكوم بسرعة الضوء التي تبلغ كما قلنا 300 ألف كيلومتر في الثانية. إذن عندما ينتقل الضوء من نقطة ألف إلى نقطة باء، فإن ذلك سيحتاج إلى وقت، وبالتالي فإن كل الأشياء التي نراها حولنا، إنما نراها في الماضي. على سبيل المثال، تبعد الشمس عنا مسافة 150 مليون كيلومتر، أي أن الضوء سيحتاج إلى 8 دقائق تقريباً، حتى يصل من الشمس إلى الأرض، وبناءً عليه، نحن عندما ننظر إلى الشمس الآن، فإننا لا نراها مباشرة، بل نرى صورتها قبل 8 دقائق من الآن، وبالتالي نحن نرى ماضي الشمس.

ينطبق هذا الأمر حتى على المسافات القريبة، فالضوء يحتاج إلى واحد من المليار من الثانية حتى يقطع مسافة 30 سنتيمتراً، وبالتالي إذا كنت واقفاً أمام مرآة تبعد عنك 30 سنتيمتراً فإنك سترى نفسك في الماضي قبل جزء من مليار جزء من الثانية، وهو وقت صغير للغاية، لدرجة أن إدراكنا لا يملك القدرة على تمييزه والتقاطه.

الآن ما رأيكم أن نُعقّد الأمر قليلاً. سنفترض أن مخلوقاً فضائياً ينظر إلى الأشياء بعينيه عن طريق الضوء، كالإنسان تمامًا، هذا المخلوق يعيش في تجمع مجرة «الهلبة» التي تبعد عنا 320 مليون سنة ضوئية. إذا قام هذا المخلوق بالنظر إلى كوكب الأرض الآن، فإنه لن يرى ما يحدث الآن، سوى بعد 320 مليون سنة، بمعنى آخر، فإنه سيرى في هذه اللحظة ما يجري على الأرض قبل 320 مليون سنة، أي أنه لو نظر الآن إلينا فإنه سيشاهد الديناصورات على الأرض.

لنغلق القوس ولنعد إلى معضلة السفر إلى الماضي. لفعل ذلك لا بد من التحرك أسرع من الضوء، لكن نسبية أينتشاين تؤكد أن سرعة الضوء هي السرعة المطلقة التي لا يمكن تجاوزها أو حتى الوصول اليها. في المقابل، فإن معادلاته قد تنبأت بوجود الثقوب الدودية، وهي عبارة عن طرق مختصرة في الزمكان، وهي لا تربط فقط مكانًا بآخر، بل أيضًا لحظة بأخرى. لنفهم فكرة الطريق المختصرة، يمكن أن نشبه ذلك بتجاوز أحد الجبال الشاهقة.

الطريقة التقليدية هي الصعود إلى قمة الجبل، ثم النزول إلى السفح في الجهة المقابلة. أما الطريق المختصرة فهي في أن تقطع داخل الجبل بشكل مستقيم لتصل إلى الجهة المقابلة. هذه الطرق المختصرة في الزمكان ستسمح لنا بتجاوز الضوء، دون أن نتجاوز بالضرورة سرعته، وستقفز بنا إلى الماضي، لكن دون ذلك عقبات كثيرة، فالثقوب الدودية موجودة على الورق، لكن علماء الفيزياء، لم يجدوا أي دليل حتى الآن على وجودها بشكل فعلي، ولو وُجدت فإن حجمها سيكون من حجم الذرة، وهي تحتاج إلى طاقة هائلة لفتحها، وهي ثقوب غير مستقرة تنهار على نفسها بشكل مستمر، لذا فإن الدخول إليها سيؤدي إلى الانسحاق المحتم.

إضافة إلى ذلك طرحت إشكالية السفر إلى الماضي عدة عقبات منطقية، على سبيل المثال: إن عدت إلى الماضي، هل تستطيع أن تمنع والديك من اللقاء ببعضهما؟ أو إذا التقيت بأحد أجدادك، وقمت بقتله فهل سيعني هذا أنك لن تولد أبدًا؟ ندخل هنا في مفارقة منطقية أو ما يعرف بالـ «بارادوكس»، يجيب الفيزيائيون عنها بأننا لن نستطيع أن نغير أي شيء من أحداث الماضي؛ لأنها حدثت بالفعل.

إذن يبدو السفر إلى الماضي أمرًا بالغًا في التعقيد، بل مستحيلًا على الإطلاق، لذا يجب أن نعيش كل لحظة، وأن نشعر بها بكل جوارحنا. جالسوا الأجداد، برّوا الآباء، أسعدوا الأطفال، وابتسموا للجميع، وسبحوا الذي جعل الوقت آية من آياته، سبحانه الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.