المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الراجي Headshot

صراع النفوذ بين المغرب والجزائر هل يُدخل المنطقة في النفق المظلم؟

تم النشر: تم التحديث:

لا شك أن بلدان المغرب العربي تشكل اليوم منطقة معقدة تتنازعها تجاذبات السياسة الدولية وتتفرق حولها المصالح الاستراتيجية للقوى المؤثرة في العالم، ولعل المراقب للشأن المحلي بهذه المنطقة سيكتشف مدى الاصطفاف الحاد الذي دخلت فيه مؤخراً مختلف الدول المشكلة لمشروع المغرب العربي الكبير، ذلك المشروع الذي ظل مُعَطَّلاً منذ سنوات طويلة حتى قيل إنه وُلِد ميّتًا من الأساس.

إن سياسة التحالفات والتنافس الدبلوماسي بين المغرب والجزائر تحديداً، وتسابقهما المُعلن وغير المُعلن نحو التسلح جعل المنطقة على شفير الاشتعال الآن أكثر من أي وقت مضى، خاصة أن فتيل النزاع السياسي بين الطرفين حول قضية الصحراء لم يهدأ بعد، ولا يبدو أن هذه القضية الأممية الشائكة مُقبلة على الانفراج في القادم المنظور على الأقل، خاصة إذا ما حاولنا فهم الصراع من زاوية جيوسياسية متبصرة، حيث إن النزاع المثار حول هذه المنطقة بالذات منذ ما يزيد على 4 عقود يشكل بالنسبة للقوى الدولية اليوم مربط الفرس في التوازن الجيوسياسي الذي تسعى الإدارة الأميركية ومعها الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ عليه قدر الإمكان بين المغرب والجزائر القوتين الحقيقيتين في هذا المنطقة المغاربية.

ففي ظل انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط وتفاقم الصراع المسلح في سوريا والعراق واليمن، ومع اتضاح سياسة المحاور في المنطقة، لا شك أن المجتمع الدولي ليس في وارد تفجير منطقة أخرى في نفس الوقت، خاصة إذا ما علمنا أن دول المغرب العربي وبالذات المغرب والجزائر ليست بعيدة كثيراً عن حلقة الصراعات السياسية في الشرق الأوسط .

المغرب مثلاً ومنذ أن انقلب "الربيع العربي" خريفاً دامياً أعلن بشكل صريح وقوفه مع السعودية كحليف استراتيجي لابد من دعمه حفاظاً على مصالحه ووقوفاً في وجه المخاطر التي من الممكن أن تهز أمنه القومي، وهو ما اتضح أولاً من خلال مواقف المغرب الدبلوماسية الصريحة ضد خصوم العربية السعودية، وزكّته كذلك مشاركته العسكرية في عاصفة الحزم والمناورات المسلحة التي أعقبتها، نفس الموقف انسحب على العلاقات مع مصر والإمارات والبحرين وبقية الدول التي تتقاسم مع المغرب التوجهات ذاتها في هذا الإطار.

ومما يثير انتباه المراقبين في هذا الشأن تحسن العلاقات المغربية مع قطر بعد سنوات من التذبذب وغياب الوضوح نتيجةً لاستياء المغرب المتكرر من التقارير الصحفية والخطاب الإعلامي المستخدم من قبل قناة الجزيرة القطرية تجاه قضية الصحراء على وجه التحديد.

هذا التقارب المغربي القطري لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يخرج عن سياق الصراع في الشرق الأوسط، فالمغرب لا يزال على علاقات غير مريحة مع إيران ومشروعها في المنطقة العربية، كما أن له موقفاً صريحاً من النظام السوري يتفق فيه إلى حد بعيد مع العنصر القطري أحد أبرز اللاعبين في هذا الملف.

ومما يؤكد منطقية هذا الطرح في شرح الحساسية التي تتسم بها المنطقة المغاربية اليوم وارتباط ذلك بالقضايا الشرق أوسطية هو السياسة الموازية التي اتخذتها مراكز القرار في الجزائر، حيث كانت الخيارات السياسية تتنافى بشكل شبه قاطع مع تلك التي اتخذها المغرب.

فالجزائر لم تنفك تعلن دعمها للنظام السوري بشكل ضمني تارة من خلال رفضها المستمر لأي تدخل عسكري دولي في سوريا، وبشكل صريح تارة أخرى عبر مناورات هنا وهناك ومن ذلك استقبالها مؤخراً وزير الخارجية السوري وليد المعلم ما يشكل قفزة في الموقف الجزائري، حيث رأى الكثيرون في الزيارة محاولة من الجزائر لفك العزلة المفروضة على النظام السوري، وردًّا غير مباشر على انسحاب روسيا من العمليات العسكرية داخل الأرض السورية.

كما أن الجزائر لم تشارك في عاصفة الحزم التي قامت بها السعودية ضد الحوثيين في اليمن ولم تعط موقفاً صريحاً من الأحداث، بالإضافة إلى أنها لم تُصنّف تنظيم حزب الله اللبناني جماعةً إرهابية، وهو الأمر الذي يُعدُّ خروجاً عن الإجماع العربي بهذا الشأن.

الجزائر التي تملك مخزوناً هاماً من العملة الصعبة وتعتمد في اقتصادها على الواردات النفطية وموارد الغاز الطبيعي ربما لم تكن محتاجة في السابق إلى الدخول في اصطفاف سياسي مع دول الخليج مقابل ضمانات اقتصادية تحفظ موازنتها العامة من تفاقم العجز، كما هو الشأن بالنسبة لدول أخرى كثيرة كمصر وتونس والمغرب والأردن وغيرها، لكنها في نفس الوقت حافظت على علاقات هادئة مع معظم محيطها العربي خاصة مع المملكة العربية السعودية، ما يُعد مكسباً سياسياً بارزاً في توازن سياستها الخارجية ضمن مسلسل الأخذ والرد دبلوماسيا مع جارتها المغرب.

التنافس الدبلوماسي كان أيضاً على صعيد القضايا المغاربية، فالجزائر التي ناهضت الثورة الليبية ضد نظام العقيد معمر القذافي حرصت على علاقات توافقية مع طرفي الصراع في ليبيا بعد الثورة ما جعلها مصدر ثقة من جميع الأطراف المتناحرة، وهو ما ردت عليه الدبلوماسية المغربية التي ساندت الثورة باحتضانها لمفاوضات الصخيرات بين الفرقاء الليبيين، ما يوضح حرص البلدين المتنافسين على كسب ود ليبيا المستقبلية، والأمر نفسه ينسحب على سياسات البلدين تجاه تونس وموريتانيا حيث ظلت العلاقات تتأرجح بين المد والجزر.

تنافر المواقف السياسية واختلاف الاختيارات الاستراتيجية بين المغرب والجزائر لم يكن وليد اللحظة، فالبلدان سبق وأن شكّلا في الماضي إسقاطاً موضوعياً لصراع المعسكرين الشرقي والغربي على مناطق النفوذ، اليوم ومع تغير المعطيات وهيمنة الولايات المتحدة على القرار الرسمي العالمي، ومع تصاعد دور روسيا عربيّاً أصبحت المنطقة المغاربية منطقة جذب بين الولايات المتحدة وفرنسا في اتجاه، ولاعبين استراتيجيين جدد كالصين وروسيا في اتجاه آخر.

فاعتماد المغرب في جانب كبير من دبلوماسيته الخارجية على دعم أصدقائه التقليديين كفرنسا والولايات المتحدة لم يعد من المنطقي أن يبقى الخيار الوحيد، خاصة أن الولايات المتحدة لها أولويّات اقتصادية وجيوسياسية تتغير عبرها سياساتها الخارجية حسب تغير السياقات، وهذا ما يفسر في الواقع انفتاح المغرب مؤخراً على أسواق اقتصادية أخرى بديلة كروسيا وتركيا والصين وبعض دول أميركا اللاتينية، الأمر الذي أسهم شيئاً ما في تقوية موقف المغرب اقتصادياً، ما فتح له مجال المناورة واتخاذ مجموعة من التدابير كردّ منه على القرارات التجارية التي تتخذها مؤسسات ودول غربية بين الفينة والأخرى ارتباطاً بقضية الصحراء، وهو ما كان واضحاً خلال الأزمة الدبلوماسية مع السويد وبعد قرار المحكمة الأوروبية بشأن الصادرات الفلاحية المغربية القادمة من الإقليم محل النزاع.

انفتاح اقتصادي واضح صاحبه عمل دبلوماسي مكثف قامت به الخارجية المغربية بغية اعتماد سياسة استباقية في وجه الخطوات التي قد تقدم عليها البوليساريو والجزائر، ما يعني أن الصراع الدبلوماسي دخل مرحلة حامية الوطيس لا تعرف نهايتها إلى أين، خاصة إذا علمنا أن تقريراً للمؤسسة الدولية للأبحاث حول السلام في استوكهولم أكد أن المغرب والجزائر وحدهما يستحوذان على 56% من واردات السلاح بإفريقيا.

ولئن كان المغرب يعتمد في لغة المصالح مع الغرب على موقعه الاستراتيجي كشرطي في غرب المنطقة المتوسطية وشرق الأطلسي أدت مساهمته في الجهود الرامية إلى مكافحة الهجرة والمخدرات إلى تخفيف العبء عن أوروبا، إضافة إلى كونه شريكاً لا غنى عنه لحلف شمال الأطلسي، فإن الجزائر من جانبها تلعب ورقة غاية في الأهمية تتجاوز أوروبا إلى الولايات المتحدة، من حيث أنها تمثل جداراً عازلاً أمام المنظمات المتطرفة التي تشكل العصب الحساس للإرهاب في منطقة المغرب العربي والصحراء الكبرى، وما يعنيه ذلك من خطر يتجاوز المنطقة ويصل إلى العمق الغربي، ومن هنا تبرز حساسية الملف الذي تحكم الجزائر قبضتها عليه، خاصة أنها باتت تشكل نموذجاً في هذا الجانب بعد خروجها من النفق المظلم إبان فترة العشرية السوداء وما راكمته خلالها من تجارب في محاربة الإرهاب ومواجهة التنظيمات المتطرفة داخل وخارج الحدود.

للغرب مصالح في منطقة الصحراء والساحل لن يتخلى عنها بالطبع، لكن المتغيرات الخطيرة التي تعرفها المنطقة في ضوء ما تعرفه قضية الصحراء من منعطفات تجعل عملية تأجيل البت في هذا الملف الخيار الأمثل بالنسبة للمجتمع الدولي. لكن وفي ظل غياب تام للحوار الداخلي بين الدول المغاربية وغياب عنصر الثقة فيما بينها، ومع استمرار الضياع الذي تعيشه البوصلة العربية وانشغال كل بلد بأزماته الداخلية وسط حالة من التقوقع العربي، سيكون المناخ ملائماً غربياً لترسم القوى الدولية الكبرى معالم المرحلة القادمة في المنطقة المغاربية والتي قد تنذر بالأسوأ في ضوء المعطيات الراهنة على الأقل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.