المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الجنابي Headshot

كيف حُبسوا.. مع فرق التوقيت؟!

تم النشر: تم التحديث:

الصورةُ العامة "خبر اعتقال مطلوبين"، تقترب الصورةُ أكثر "قاموا بعمليات إرهابية"، تنتهي الصورة عند "واعترفوا بجرائمهم".

مشاهدُ إخباريةٌ تتكرر كلَّ يومٍ على شاشة القناة الحكومية، ينظر إليها المتابعُ ولسانُ حاله يقول: إذا كل يوم يُلقى القبض على كل هؤلاء فمن يقوم بهذه التفجيرات المتكررة؟!

رأيت أنّ الموضوع يستحق الدراسة كما فعل لومبروزو في نظريته، ووجدت ما يعرفه معظم الناس، أي أنني لم آتِ بجديد، لكنّ التساؤل هنا: لماذا يعرف الجميع أنّ الظلمَ يولّد ظلماً، وأنّ لكل فعل ردَّ فعل ورغم ذلك يستمرون في أفعالهم؟!

في أثناء حديثي مع رجالٍ تعرضوا لعمليات اعتقالٍ من قِبل قوات أميركية وعراقية على مدار آخر 13 عاماً، اطّلعت منهم على قصصٍ مختلفة، وفيها من القساوة ما يكفي لتتوجع بكلّ جملةٍ يلفظونها، من الصعب أن تكون مظلوماً، وأن تخسر من عمرك سنواتٍ في مكانٍ تُمارس فيه ضدك أقسى الأفعال التعسفية.

"أجيبك للدرب كتلك أجيبك" أولى الكلمات التي أجابني عنها محمد حين سألته عن قصة اعتقاله، ظننته يغنّي قال: لا هذا أول ما تذكرته حين سألتني، فقد كانوا يغنّون فوق رؤوسنا جميعهم حين أخذوني أنا واثنين من أعمامي من بيتنا في بغداد، وساروا بنا في الشارع وهم يغنون ويطلقون العيارات النارية، كان ذلك في 23 يوليو/تموز عام 2005 في الساعة 11:45 ليلاً، ولن أنسى ذلك التاريخ ما حييت، كان بيتنا ينعم بالكهرباء، لكون العمارة التي فيها البيت مرتبطةً بإحدى السفارات، وهذا ما دفع أعمامي وأطفالهم للمجيء إلينا والمبيت عندنا؛ لأن بغداد كانت تعاني من شبه انعدام للتيار الكهربائي، اقتادتنا مغاويرُ الداخلية إلى معسكر، وبعد أن وصلنا هناك قام أحد الضباط بسؤالنا الواحدَ تلو الآخر عن الاسم الرباعي واللقب، وبعد أن عرفوا أننا من أهل السنّة بدأوا بسب صحابة الرسول وأمّ المؤمنين عائشة، وعندما ذكر الضابط اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال عمّي: سلام الله على أبي الحسن، ردّ الضابط بضرب عمّي على ظهره.

تم حجزنا بغرفة ظلماء سمعنا شخصاً يتنفس داخلها، لكننا لم نتكلم خوفاً منه، كان الغبار يغشى الأرض والحرّ شديداً، وأجسادنا تنضح عرقاً.

في الصباح زجّ بنا في غرفةٍ مليئةٍ بالمعتقلين يصعب فيها النوم أو الحركة، حين حاولت النوم أزعجتني وسادتي لكثرة الأصوات التي تصدرها، فقد كانت زجاجة ماء بلاستيكية، فقمت باستبدالها بطابوقة، سألت محمد عدة أسئلة جالت بخاطري، فكانت جميع أجوبته مؤلمة، وسرد لي قصصاً لمعتقلين جميعهم أبرياء اتّهموا بالإرهاب.

يقول إنه حين أفرج عنه في 4 من سبتمبر/أيلول عام 2005 رمتهم سيارةٌ تابعةٌ للسجن في الشارع، وكان حافي القدمين، فبدأ بالركض دون الاكتراث لحرارة الأرض، ثم صمت، وقال: تلك كانت أسوأ أيام حياتي.

بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2006 كان خالد وابنُ عمه يسيران على الخط السريع بسيارتهما قرب الغزالية غرب بغداد؛ حيث تعرّض رتلٌ للقوات الأميركية لهجومٍ من قبل المقاومة، فقام الأميركان بقطع الطريق وبدأوا بإطلاق النارِ على جميع السيارات المتوقفة، أصيب خالد ومن معه ثم نجَوا بأعجوبة بعد احتراقِ سيارتهم، يقول: بعد تركنا لأكثر من ساعة ننزف جمعَنا الأميركان في بيتٍ قريبٍ من الشارع، وكان عددُنا يتراوح بين 12 و15 شخصاً بيننا 3 نساء، واحدةٌ منهنّ كانت إصابتُها في بطنها، وأخذونا إلى المطار، بقيت بمحاجر المطار لمدة 11 يوماً في سجن انفرادي، وفي التحقيق يبلغون ابن عمي بأنّي اعترفت، ويبلغونني أنّ ابنَ عمّي اعترف، والمغزى من ذلك أن نعترف بمهاجمتهم، مكثت 3 أشهر في السجن عند الأميركان، ووقتها كان عمري أقل من 18 عاماً؛ حيث وضعوني مع الأحداث ثم حُكم عليَّ بالسجن لعامٍ ونصف العام، وقبل انتهاء مدةِ حكمي بأيام جاء التمييز إعادة حكم، وإذا بهم يحكمون عليَّ بالسجن 10 سنوات وفق المادة 4 إرهاب، لكن والحمد لله، وكّل أهلي محامياً للدفاع عنّي، وأفرج عني، لكنهم اعتقلوا أبي وأخي بعدي بأيام بحملة اعتقالٍ عشوائي طالت منطقتنا، وأفرج عنهم بعد ذلك بالعفو العام، كان أصعب شعور لدى خالد في السجن عندما يذاع أن يوم غد أول أيام العيد؛ حيث يبدأ بالبكاء، ويتذكر أهله ولمّة العيد، يصف السجن بأنه أفضل بيئةٍ ليحقدَ الرجلُ على الدنيا، ويرى الأمور بمنظار المظلوم الذي أريد الإيقاعُ به؛ لأنه عدو لهم.

مصطفى كان أحد الشبابِ الرافضين للاحتلال، وبسبب معلوماتٍ كان ينقلها جواسيسُ تمت مداهمةُ منزله عدة مرات، وقضى سنوات يعجز عن النوم ليلة واحدة في بيته، واستمر هذا الحال حتى انسحاب القوات الأميركية من العراق، إلا أن القوات العراقية لم تترك مصطفى وشأنه، وبقيت تدهم منزل عائلته بين فترةٍ وأخرى، وبعد أن رأى ما حلّ من خوف وهلع وعذاب بأهله ذهب وسلم نفسَه للشرطة، وهو على يقينٍ ببراءته، لكونه لم يفعل أي جرمٍ يحاسب عليه القانون.

أُدخل في حجرةٍ مظلمة لمدة 10 أيام؛ حيث لا يرى أحداً ولا أحد يراه، تم التحقيقُ معه 3 مرات بهذه الفترة، ثم أُجبر على التوقيع وهو معصوبُ العينين على ورقةٍ لا يعلم محتواها.

يقول: نُقلت بعد يومٍ من توقيعي إلى سجن مكافحةِ الإجرام، وعند دخولي للسجن استقبلني شباب في مقتبل عمرِهم وبوجوهٍ مهللةٍ ومرحّبة، وكأنّ ضيفاً قدم إليهم، وعند سؤالي عن قصتي سردتُها لهم، وضحك ثلاثةٌ منهم، وقالوا: نحن نفس قضيتك، ومنذ عامين ونحن هنا، ولا نعرف لماذا نحن هنا، سألني أحدهم: كيف هي الحال بالخارج؟ فأجبته: أنتم في الجنة، فانتعش وابتسم وصاحَ بصوتٍ عالٍ "يا جماعة الأخ يقول أنتم في الجنة"، قلت: نعم، هذه المحبةُ والألفةُ لا تجدها في الخارج، كان الليل أصعبَ ما في السجن، فعندما يقترب السجانُ من باب السجن يبدو وكأنه صيادٌ جاء ليصطادَ فريسته فقد يأخذك ولا ترجع.

بعد عدة أيام استجوبني المحقق، وقال لي: بالمباشر كم تدفع؟ فسوف تُرفع ضدّك 9 قضايا، ولن تستطيع تبرئةَ نفسك بعد ذلك، تم إخراجي من السجن بعد شهرين، وعندما خرجت وقفت بباب السجن ونظرت إلى الشباب وبكيت بحرقةٍ وألمٍ، وأنا أرى حالهم فرحين بأن يخرجَ منْ هو أقل مدةَ سجنٍ منهم، عندما عدت إلى بيتي لم أستطع نسيان حالِ من هم في السجن، وبدا ذلك واضحاً على تصرفاتي.

ما زلت الذكريات تراود مصطفى، ولم يبُح بكلّ ما شاهده وما في نفسه؛ لأنه يعتقد أنّ هناك ما لا يمكن التعبيرُ عنه أو كتابته على الورق.

القصص التي اطّلعتم عليهم هي نبذةٌ عما يحصل في سجون العراق، ورواها شبابٌ بأعمارٍ ومدنٍ مختلفة وبتويقتاتٍ مختلفةٍ كذلك، وما زال هناك منْ يسأل: لماذا يتحوّل الرجل إلى آلةٍ للقتل؟ ولماذا هناك من يتكلم عن طائفية في العراق؟

لم تكن الألفُ كلمة كافيةً لسرد قصصٍ أخرى أو الولوج في تفاصيلَ أكثر، ورحم الله وطناً عرف قدْر شعبِه.