المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الجنابي Headshot

قوَّاد البلاد

تم النشر: تم التحديث:

في الجيش يقال: إنّ السريّةَ بقائدها، وكذلك يقال: السفينةُ بربّانها، وحتى النملُ والطيرُ تسير أسرابُهم وقوافلهم خلف قادتهم، فإذا صلحَ حالُ القائد وكان أهلاً للمنصب يتبعه الجميع مطمئنين، وكلّهم ثقةٌ بمن يسيرون خلفه.

في بلادي الأمرُ مختلف تماماً، فهناك كلُّ حزبٍ لديه قائدٌ، وكلُّ جماعةٍ لديها قائد، وكلُّ عشيرةٍ فيها قائد، وكلُّ عصابةٍ تتبع لقائد، وكلُّ ديانةٍ يتزعمها قائد، وكلّ هؤلاءِ القوّاد لا يعترف أحدُهم بالآخر، بل ويسعى لإبعاده أو إلغائه، وكلٌّ يُفتي بحسب قانونِه، ويستمدّ قوتَه من الدولة الداعمة له، ففي بلادي يمكنك الانضمامُ إلى قائمة "قوّاد البلاد" لمجرد أن تجمعَ عدداً من الأتباع، وتُظهرَ نفسَك كقائدٍ لهم، ثم تَعرِضُ نفسَك ومنْ معكَ على الدول المهتمّة بملف البلاد؛ لتحصلَ على الدعم مقابل تنفيذِ مطالبها، ثم تبدأ بالظهور في وسائل الإعلام التي تدعمها تلك الدولة، وتُسبغ عليك الأوصافَ والألقابَ اللازمةَ لبقائك في القيادة المزعومة التي لا يثق فيها حتى منْ خوّلها، ولا تثق حتى هي بمنْ حولَها.

نقرأ في كتب التاريخ عن فلانٍ أنه كان عميلاً للدولة الفلانية، وفلانٍ ساند الاحتلالَ الفلاني، وفلانٍ سرّبَ معلوماتٍ سريةً للجهة الفلانية وخان الأمانة، وفلانٍ اشترك بالتآمر ضد بلادِه ليكسبَ أموالاً ومنصباً، ويبدو أنّ ما نقرأه في كتب التاريخ موجودٌ ويتكررُ في واقعنا الحالي، بل ونتعايش معه؛ إذ إن الأمرَ لا يختلف كثيراً سوى أنّ هؤلاء "الخونة أو المتعاونين" لديهم الكثيرُ من الأتباع، وهم خطوطٌ حمراءُ في نظر أتباعهم على عكس منْ في الكتب، حيث لا يحقّ لأيٍّ كان الحديثُ عن "قوّاد اليوم" بسوء، وما يعزز حجمَ المكاسبِ التي حصل عليها هؤلاء "القوّاد" دخولُهم في الانتخابات ونجاحُهم فيها، بطرقٍ بات يعلمها الجميع، حتى وصل الأمرُ إلى اقتتال الكثيرين لأجل فتوى يطلقونها أو قرارٍ يُصدرونه لأمرٍ ما!

يقول أحد القوّاد: إنه يمتلك من الذكاء الشيءَ الكثير، وبإمكانه تبديلُ موقفِه بحسب متطلباتِ المرحلة، وإنّ فعلَه هذا يُرحّب به كثيرون، ويُسهِب في القول "إنّ الشعبَ بحاجةٍ في هذه الفترة من الزمن إلى منْ يتضامن معه شكلياً أو عاطفياً؛ لأنه منكسرٌ ويحتاج إلى أيّ شكلٍ من أشكال التعاطف، وإنّ أمثاله يمكنهم النجاحُ في هذا الأمرِ من خلال الخطاباتِ والوعود، وإنْ لم يكن هناك صدقٌ في الكلام، فيكفي أن تكونَ أسداً في الكلام ونعامةً في الفعل؛ لتنجحَ وتستمرَّ في المنصب والسلطة"، مثلُ هذا المنطقِ يكشِف لك عن دَرَكاتِ التفكير التي وصل إليها هؤلاءِ القوّاد.

ومع تنامي الاحتقانِ الطائفي والمذهبي وتأزّمِ الوضعِ الاجتماعيّ علا نجمُ كثيرٍ من القوّاد الذين لم يكن يكترث بهم أو بأقوالهم أحد، ولم يكونوا يُذكرون في الإعلام أو حتى في المجالس أو الدواوين، فصارتْ فتاوى هذا مقدّسةً، وخطاباتُ ذاك أوامرَ، وصار أمرُ المِساسِ بقدسيتهم يعني النفيَ إلى عالم البرزخ، فأتباعُ هؤلاء "القوّاد" أخذوا الضوءَ الأخضر لاستباحة أرواحِ كلِّ من يعارضهم، فما بالك بمنْ لا يؤمن بقدسيتهم!

أحدُ هؤلاءِ القوّاد يقول عنه أتباعه: إنه ممثلٌ عن الله في الأرض، لكنهم عَجَزوا عن إقناعه بالصلاة بهم أو إظهاره بمظهر القياديّ في مركزٍ دينيّ حقيقيّ، من خلال اعتلاءِ منبرِ رسولِ الله أو الصلاةِ أمام الناسِ في المسجد، أو حتى الظهورِ للعامة من أجل الاستفسارِ وأخذِ الأحكامِ الشرعية، وآخرُ أطلق عليه أنصارُه لقبَ (مختار العصر) ويطيعونه طاعةً عمياءَ حتى لو طلبَ منهم سفكَ الدماءِ وخرابَ الأرض، وقد فعلوا ذلك لأجل عيونِه وأمواله، لما تردّدوا في ذلك. وهؤلاءِ "القوّاد" يسوّقون لأنفسهم بطرقٍ شتى، كذاك الذي وضع صورَه في يافطاتِ تهاني المولدِ النبويّ،

ووزَّعها على الشوارع والأزقة، حتى إنّ أطفالَ الحيّ توهّموا أنّه رسولُ الله لارتباط شكلِه بالمولد، وحاشا لرسول الله أن يُشبَّه بمثل هذا، ومثلُ هؤلاء القوّاد كثيرون وجاهزون لارتداء الثوبِ الذي يحقق مطامعَهم، فتراهم قد لبسوا لباسَ الوَرَعِ ولباسَ السياسة ولباسَ القانون ولباسَ المقاتل ولباسَ المنقذ لأتباعه، لكنهم في واقع الحال جرفوا البلادَ والعباد نحو الهاوية، ولا يعلم أحدٌ هل ستنحدر البلاد كانحدارهم أو ستسقط كسقوطهم؟

أدركُ جيداً أنني مَسستُ بمقدسات البعض، وتدخلتُ بحرّية اعتقادهم، لكنْ لي الحقُ كما لغيري بكشف الذي كان السببَ لهذه الفَوضى، أو المتسبب بها. وهذا الضياعُ لبلدٍ شاخَ من الأسى ولم يشبْ رأسُه لعُمرٍ تجاوزَ الأربعةَ آلافِ عامٍ عاشها بين حضارةٍ ونكبةٍ وانتصارٍ وهزيمة، لم يَنحنِ له ظهر، ولم يبيضَّ له رأسٌ طيلةَ تلك السنون، ولكنْ بضعُ سنواتٍ حَكمَه فيها مرتزقةٌ وعملاءُ أصبحوا (قوّاداً) ببركة أسيادِهم، فتحدّبَ ولم يبقَ مستقيماً، وهرمَ ولم يَعُدْ كهلاً، ولأجل هذا كتبتُ وسأكتبُ حتى يرحلوا وتمحى آثارُهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.