المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الشيخ Headshot

سلطة الكلمات وكلمات السلطة !!

تم النشر: تم التحديث:

للكلمات سلطة وسلطان على المجتمعات الناطقة بها.. فهي الإطار الدلالي المشترك بين أفراد المجتمع، وهي وعاء المعنى، والقالب البنيوي الذي يحيط بالثقافة ويرسم حدودها. ومن خلال الكلمات تعبر المجتمعات عن أفكارها وإنتاجاتها المعرفية والفنية.. إلا أنها -أي الكلمات- في ذات الوقت تمارس سطوتها وسلطتها على العقول فتلجمها، وتجبرها على التفكير داخل إطارها الضيق مهما اتسع.

ولعل من المفارقات الطريفة أن يكون جذر كلمتي «العقل» و«العِقال» واحدًا.. وكأنما اللغة، أو الكلمات -كما أسميها- أرادت أن تعتقل العقل وتوهمه بأن التحرر جنون!

هذا فيما يخص سلطة الكلمات.. فماذا عن «كلمات السلطة»؟!

(3)

كما أن للكلمات سلطة، فإن للسلطة كلمات تفرضها على الشعوب، وتتحكم من خلالها في إرادتهم العامة، وترسم لهم خطوطاً عريضة تضمن بها عدم انحرافهم عن أبجدياتها حرفاً حرفاً.

فبالكلمات تكون السلطة هي «الحُكمُ» الرشيد، و«الحَكَمُ» العدل، و«الحِكمة» المهداة في كل ما تصدر عنه!
ومن المعروف أن المجتمع -أي مجتمع- يتكون من سلطة، ورجال ثقافة، ورجال دين.. ثلاثة، ورابعهم شعبهم..
تلقي السلطة شباك كلماتها في بحر الدلالات، فيَعلق القوم فيها طوعاً أو كرهاً.. لتخلع عليهم ما شاءت من الأسماء والمعاني.

(2)

رجال الثقافة -عرفًا- هم المثقفون، والكتّاب والإعلاميون..

المثقف..
تغويه السلطة بكلمات، فتقنعه بأن أصله في اللغة "سيف" صارم.. فإذا ما اقتنع، وأعجب بحدة ذكائه، وبريق أفكاره.. سَلَّطته على رقاب المخالفين!

الكاتب..
تتربص السلطة بالكاتب الحر.. فتضيف إلى حريته "ب" مراوِغة، لتوهمه بأنه امتلك الـ «حِبر» وأن الحبرَ «بحرٌ» لا ساحل له، وأن في البحر «ربحٌ» كثير وخير وفير.. حتى إذا ما اصفرَّ قلبه، استبدل بالحبرَ التِبر، وبالحرية الأريحية، وغرق في بحر المغريات..
وقتها يصبح كاتبًا داجنًا في قُن السلطة.

وإن حاول التمرد والتحليق مرة أخرى.. استخرجت له السلطة ملف ماضيه الأسود، وجمعت له «حاءه» و«باءه» و«راءه» وشنت بها عليه الـ«حرب» واتهمته بأن يديه ملطختان بحِبر التحريض، وتِبر الرشوة والفساد، فيحكم عليهما بـ «البتر»، ويستحيل ما كتب من «كلمات» إلى «لكمات» تنهال عليه من كل حدب وصوب!

الإعلامي..
هو عصا السلطة السحرية التي تسلطها على الكلمات، فتتحول -بقدرة ماكر- إلى معجزات..
بضربة واحدة يحوَّل القاتل إلى مناضل، والقتيل إلى عميل، والثائر إرهابيًّا، والصائل شهيداً، والمحتل فاتحاً!
فالإعلاميون هم "المتلاعبون بالعقول" وبالكلمات أيضاً..

وبسحر البيان، وخفة البهلوان، واللعب بالصورة والألوان.. يُدخِل الإعلامي البارع «ثورة» كاملة في قبعته السوداء، ويخرجها -بعد أن وارى تائها- لتبدو في أعين الناس «ثورًا» هائجاً متخبطاً يتلاعب به "الماتادور" السياسي كيفما شاء، حتى إذا ما خارت قواه، سقط أرضاً مضرجاً بدماء حماقته واندفاعه.. وسط تصفيق الجمهور الدولي المتآمر!

(1)

رجال الدين أجناس...
أكثرهم مولعون بالسجع والجناس، تحت ظل كلمات السلطة..
فمنهم مسكنو الآلام.. الذين يقنعون الناس بأن الـ«محنة» التي تمر بها البلاد.. «منحة» من رب العباد.. وأن «نقمة» العَوَز والفقر.. «نعمة» تعصم من فتنة الكفر.. وأن ما حاق بالأرض من «بلاء» إنما هو «ابتلاء» من رب السماء!

ومنهم من يميل مع ريح السلطة أينما مالت.. فإن كانت من "اليمين" قال إن اليمين طريق الصالحين العارفين الغانمين.. وإن كانت من "اليسار" قال إن اليسار عدل ونماء واستقرار..
ومنهم من «يُكفر» كل من «يفكر»!
ومنهم من تلَقى من سلطته كلمات.. فأوهم الناس بأن قتل «الروح» في الدين، يورث «الحور» العين، وأن من أراد أن «يخفف» من السيئات ظهره، «يفخخ» بالمتفجرات خصره..
وأما من حاد عن هذا الطريق من رجال الدين، أنهكته السلطة بالدّين.. فإما أن يخضع ويلين، أو يكون من الغارمين!

(0)

العامة
في ميزان كلمات السلطة..
شعب وجماهير.. في زمن الحرب
عوام، ودهماء.. في زمن السلم والرخاء
أغلبية/ أكثرية/ رأي عام.. في زمن الانتخابات
غثاء وغوغاء.. في زمن الثورات!

***

أليست إذن للكلمات سلطة وللسلطة كلمات؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.