المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر الشيخ Headshot

في اللاهوت والسياسة وأشياء أخرى

تم النشر: تم التحديث:

لا يتعلق الأمر هنا بمضامين "رسالة" باروخ اسبينوزا، التي تحمل عنواناً مشابهاً، ولا بالأبعاد المعرفية للمفهومين، بقدر ما يتعلق الأمر بالارتباط بين الدين والسياسة بشكل عام.

قبل أيام كتب أحد "المثقفين العرب" مقالاً عبر فيه عن اشمئزازه من دخول دول الخليج مع تركيا في "تحالف إسلامي عسكري"، واعتبره ارتماء في أحضان "السلطان أردوغان" ووصفه بالخطوة "الرجعية" التي من شأنها إعادة الخلط بين الدين والسياسة!

لكن مهلاً عزيزي المثقف!

هل شهد التاريخ أو الواقع فصلاً حقيقياً بين صولجان السياسي وعمامة رجل الدين؟
منذ الأزل اعتمدت السياسة على الدين، أو بالأحرى اعتمد السياسيون على رجالات الدين في تعزيز سلطانهم، وإضفاء الشرعية على حكمهم، وتهيئة الشعوب لقبول قراراتهم، والرضوخ لأحكامهم.

ولقد تبين الساسة - منذ القدم - ما للدين من قدرة على التأثير في نفوس وعقول وضمائر الشعوب، وتحريكها نحو أهداف معينة، من خلال إشعال جذوة الحماسة الجمعية فيهم، وإذكاء روح الأمة.

ويرى بعض الإنثروبولوجيين - المتطرفين - أن الدين هو أول أشكال السلطة التي عرفتها البشرية منذ بدايتها.. بينما يرى آخرون - أكثر تطرفاً - أن الدين في حد ذاته هو صنيعة السلطة.

وبعيداً عن آراء هؤلاء، وتطرّف أولئك، نقف هنا - قليلاً - لنزيد زاوية الضوء انفراجاً على ما اتفق عليه أغلب المختصين في علم الاجتماع، وهو تلك العلاقة "السيمبيوتية" بين الدين السياسة.

لم يسبق أن سجل التاريخ وجود تجمّع حضري بلا دين.. وحسب السجلات الأركيولوجية، لم تُكتشف مدينة تاريخية - واحدة - بلا معبد.

وتاريخياً أيضاً، لم تقم قائمة لسلطان سياسي لم يتخذ من الدين عضيداً لحكمه.

في الشرق اعتمد ملوك الهند القدامى على الكهنوت الهنادكة لتشريع حكمهم، وتقديس أشخاصهم من خلال تعاليم "الفيدا" التي تقسم المجتمع إلى طبقات متفاوتة تجعل من الطبقة الحاكمة "الكاشتريا" بشراً مقدسين، ومفوضين من الآلهة لحكم باقي الطبقات.. وهو حال أمم شرقية أخرى مثل، الفرس الزرادشتيين، والشعوب الصينية والمغولية بشكل عام، على الرغم من محاولات كونفوشيوس - الثورية - لجعل تعاليمه الأخلاقية تحل محل الدين، وتكون حليفاً - بديلاً - للسلطة.. بل إن الكونفوشية ذاتها تحولت لاحقاً لتصبح أقرب ما تكون إلى المذهب الديني منه إلى الأخلاقي.

وغير بعيد - زماناً ولا مكاناً - حول اليونانيون القدامى حكامهم وزعماءهم إلى آلهة مقدسة، قبل بداية عصر الثورة المعرفية الهيلينية، ومع ذلك ظل التعاضد "الديني السلطوي" حاضراً بقوة إلى أن ورثت الإمبراطورية الرومانية الزمان والمكان.

مصر الفرعونية حافظت - بدورها - تاريخياً على ذلك التحالف الديني السلطوي، فالنقوش الهيروغليفية التي غطت جدران القصور، والقبور، والمعابد الفرعونية أظهرت الدور الذي لعبه الكهنوت في تقديس الحكّام الفراعنة، وخلع الألقاب الدينية عليهم، والسعي لتخليد أرواحهم وأجسادهم.. حتى أن كتب التاريخ تحكي لنا قصة دخول ألكساندر المقدوني إلى مصر "فاتحاً" واستقباله وتنصيبه من قبل كهنة المعابد، وتقديمه للجماهير على أنه ابن الإله آمون إله الشمس في الميثولوجيا المصرية.. (وما أشبه اليوم بالأمس!).

ولا تفتأ كتب التاريخ تحدثنا عن الإمبراطورية الرومانية في عهد قسطنطين الأول الذي اعتنق المسيحية وراهن على حلفه الكنسي، ليشيد الكنيسة الشرقية (الأرثوذكسية لاحقاً) راسماً بذلك مساراً دينياً جديداً يعزز المسار السياسي الانفصالي الذي بدأ في عهد سلفه ثيودوسيوس الذي قسم الإمبراطورية الرومانية بين ولديه، إلى شرقية (بيزنطية لاحقاً) وغربية (ميلانية).

ويظهر التحالف الديني السلطوي جلياً عند رجالات الدين الغرب في القرون الوسطى مع القديس أوغسطين المصلح، الذي نادى في كتابه "مدينة الله" بالوحدة القومية الرومانية، والاحتزام بالدين المسيحي في حربه الشعواء على بقايا الوثنيين الرومان.

وتستمر هذه الثنائية إلى ما بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية، وظهور الدولة القطرية، ونشوء حكم الأسر، في ما يُعرف بالممالك البابوية.. ولن أذكرك - عزيزي المثقف - بـإرهاصات "الحملات الصليبية" أو"محاكم التفتيش".

مالك بن نبي، المفكر الجزائري الراحل، يتحدث عن الدولة الإسلامية التي بدأت دينية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، منطلقة في صعود أخلاقي "عمودي"، إلى أن استحالت سياسية عقب معركة صفين، لتكتفي بالتمدد الجغرافي "الأفقي" - حسب تعبيره - محافظة على الحليف الديني الذي كان بمثابة الطاقة الدافعة لتلك الدول المتعاقبة إلى نهاية عهد الدولة الموحدية، حيث بدأ حبل ذلك التحالف بالتنسر، ليتحول التمدد الأفقي إلى سقوط رأسي.

وما يتضح هو استمرار ذات الفكرة حتى مع الدول الإسلامية التي عقبت ذلك التاريخ، مثل الدولة العثمانية التي اعتمرت لقب "دولة الخلافة" المفهوم الأصيل في الأدبيات الإسلامية.. وهو الحال في الاتحاد الديني السياسي الذي كان بين محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، والإمام محمد بن عبدالوهاب، الأمر الذي قوّى شوكة الدولة السعودية من جهة، وضمن الانتشار للدعوة الوهابية من جهة أخرى.. ولا يزال هذا النموذج التعاضدي قائماً إلى اليوم.

من جانبه، لعب الأزهر دوراً رئيساً في دعم القيادات السياسية التي تعاقبت على مصر منذ إنشائه في عهد الدولة الفاطمية، مُروراً بتحويله إلى مؤسسة ذات مرجعية سنية في العهد الأيوبي، وصولاً إلى الدولة العسكرية التي تعاقب على حكمها كل من عبدالناصر، والسادات، ومبارك وأخيرًا مولانا السيسي (قدس الله سره!).

أوروبا العلمانية، ليست استثناء عزيزي المثقف..

فالعصر الحديث يسجل عودة صارخة للتحالف السياسي الديني في نموذجه الحديث المختبئ تحت عباءة الديمقراطية ودولة المؤسسات. الأمر الذي يؤكده المفكر الفرنسي أوليفيه روا في كتابه - المعقد - "الجهل المقدس"، حيث يرصد - بعين الخبير - العودة الكاسحة للتيارات المسيحية إلى معترك المشهد السياسي الأوروبي.

ولعل "الحزب الديمقراطي المسيحي" في ألمانيا، الذي تنتمي له أنجيلا ميركل، والحزب "المسيحي الفلمنكي" في بلجيكا، وحزب "الحركة الجمهورية الشعبية المسيحي" في فرنسا، خير دليل على ذلك.. ولا أحتاج لتذكير بحركة "بيغيدا" الألمانية، أو بمشهد اصطفاف الجنود الروس أمام كاهن الكنيسة الشرقية في انتظار مباركتهم قبل صعودهم إلى الطائرات المحملة بقذائف "المحبة" لأطفال سوريا!

- "مسيحيتنا تحت الحصار وعلينا حمايتها"، يصرخ دونالد ترامب المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري في أحد خطاباته بولاية نيوهامشر!
- "مسيحيون.. مسيحيون"، ترد 3000 حنجرة غاضبة من مناصريه، في مشهد مصغر للمستقبل السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية.. المسيحية.

في ظل هذا التحالف الواقعي، بحسب الماضي، والحاضر، والمستقبل... ليس من المبرر عزيزي المثقف العربي أن تتهافت الأقلام والحناجر العربية أو المشرقية - يسارية كانت أو يمينية، قومية أو ليبرالية - للتنديد بحلف عسكري إسلامي، أو حتى بخطابات أردوغان السياسية التي يفتتحها "بسم الله" ويختتمها بالصلاة على النبي الكريم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.