المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر بن عمر Headshot

السعودية بين خيارين: مواكبة التغيرات أو دفع ثمن التبعات

تم النشر: تم التحديث:

رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها السعودية على جل الأصعدة، والمواجهات الساخنة التي تخوضها المباشرة كالحرب في اليمن تحت مسمى عاصفة الحزم، وغير المباشرة كالحرب الأشبه بالباردة وطويلة الأنفاس ضد إيران الطامعة بالتمدد على حساب الجغرافيا العربية؛ إلا أن السعودية متمثلة بالعاهل السعودي وابنه الأمير محمد ولي العهد الجديد غير مراعين لحاجة سد الفراغ والفجوة بين القيادة والنخب الشعبية والشبابية من رجال دين ومثقفين وشباب ناشط.

وهذا ما يعقد حل المشكلات في الخارج ويحول دون تغذية الخطاب الإعلامي بالزخم الشعبي لانعدام التمثيل والتأثير معاً، وكأننا أمام الحكمة السياسية الخالدة "القامع في الداخل منتكس في الخارج" فالجبهة الخارجية سواءً على المستوى السياسي أو العسكري تبقى مرتعشة وهشة، ما لم تدعم بجبهة داخلية متأسسة على أسس حقوق الإنسان، وحق التعبير عن الرأي وحق المشاركة وتأسيس الأحزاب والمنظمات والنقابات.. إلخ.

وكي تتمتع السعودية بمكانة تليق بموقعها الريادي والمحوري دينياً وجغرافياً وغير هذين من الأبعاد الأصيلة، يجب عليها مراجعة ملف حقوق الإنسان الذي أصبح مع كل الأسف رمزاً سلبياً وجرحاً غائراً يشجع كل الأطراف المناوئة من دول أو مليشيات أو حتى صحف.

ولعل الحرب في اليمن برهنت على أن الإنفاق المالي وحده لا يسد أزمة التخبط السياسي وكل ما يلحق بسلطة الفرد من تصرفات وقرارات جائرة.
ومن هنا نستعرض عدداً من الأسماء المعروفة التي أرادوا تشويهها بتهم فضفاضة كتهمة زعزعة الأمن وإسقاط النظام ودعم الإرهاب والتحريض، المبنية على القرائن الاجتهادية "المستنبطة" كما يقول قاضي محاكمة إصلاحيي جدة! وهي كما هو الحال تعكس هشاشة النظام القضائي وتوظيفه سياسياً بشكل خارق وممزّق لمعايير العدالة والمعاهدات الدولية، وخصوصاً ما يخص المحكمة المختصة لمكافحة الإرهاب التي تعمل على خلط الأوراق واللاتمييز بين المطالب المدنية والسياسية من جهة والأنشطة الإرهابية من جهة أخرى بغية تصفية الصوت المعارض والرأي الممتعض.

نأخذ نماذج من سجناء الرأي ونشطاء حقوق الإنسان، من هذي الأسماء أعضاء جمعية الحقوق المدنية والسياسية حسم الأكاديمي محمد القحطاني وعبدالكريم الخضر وعبدالله وعبدالرحمن أبناء حامد الحامد والأستاذ صالح العشوان والمهندس فوزان الحربي. وبيد أن الاعتقالات لا تقتصر على خلفية المطالبة بإصلاحات سياسية عبر منظمات وجمعيات أهلية كما هو حال جمعية حسم ومعتقلين "قضية إصلاحيي جدة 2007" الشهيرة وجمعية الاتحاد (رهن المحاكمة) إذ إن هناك أسماء ليس في الوسع إحصاؤها لا تزال تقضي سنوات في السجون، وتواجه أحكاماً مغلظة ومنهم الإصلاحي توفيق العامر (حكم سبع سنوات) ورجل الدين الشيعي حسين الراضي (رهن المحاكمة) والناشط نذير الماجد (حكم سبع سنوات) جميع ما سبق هو غيض من فيض كما هو لسان العارف لظروف حقوق الإنسان في السعودية.

كما أن هناك أسماء ممنوعة من الكتابة بأحكام قضائية وتعهدات من قبل هيئة التحقيق والادعاء العام "النيابة العامة" بسبب آراء لا توافق هوى السلطة! الأكاديمي زهير كتبي والكاتب جمال خاشقجي والناشط محمد البجادي وعيسى الحامد وعبدالعزيز الشبيلي وعمر السعيد والأخير يعتبر الحكم سبع سنوات نافذة مشددة في حال قام بالعودة، وسمر بدوي والقائمة عصية على الحصر.

والخلاصة: إن أي إصلاحات لا تراعي حق المواطن بالتعبير عن رأيه وكفالة حق تأسيس مؤسسات مدنية وبرلمان منتخب وقضاء مستقل عن باقي الدوائر هي بمثابة "الحناء على الرأس المتسخ" ولا يمكن أن تدفع بالمجتمع للأمام كما أنها تبقيه عرضة لمزيد من التأزم الاقتصادي والتخلف الاجتماعي. وأنه من العسير أن يتم الجدال في غرف التحقيق ومجالس القضاء على أبجديات الحقوق الإنسانية السائرة في فلك المواطنة وقواعدها.

في زمن تتابع فيه الثورات إن لم يكن في القذافي عظة فبغيره تعرف الحصيلة المحتمة. لهذا على ولي العهد الجديد أن يضع ملف حقوق الإنسان المتورم بالانتهاكات وملف الفساد الإداري والمالي على رأس الأولويات والعتبة الأولى التي يشترط لنجاح الرؤية وجودها. ليس لأن الحقوق والمشاركة وسيادة القانون درع الوحدة أمام مشاريع التقسيم كما أشار وبشر به جورج الابن باسم "مخطط الشرق الأوسط الكبير". لا، ولكن لأنه حماية أيضاً من ارتداد المصالح الغربية ضد الأسرة المالكة والفئة الحاكمة كما حصل مع صدام حسين إبان الغزو.

وكما وقع البشير ضحية الابتزاز السياسي الذي ألزمه بقبول فكرة التقسيم 2011 بعد أن وضع جورج الابن السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وسلط الضوء على المشكلات فيه لاسيما في جنوبه وغربه لتقليب الرأي العام ضدّ السودان عبر تقارير عن أحوال المواطنين هناك وغيرها من آليات.

وللإشارة فإنه على الرغم من إدانة السودان للإرهاب وتعاطفه مع الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، إلا أن هذا لم يقابله خطوات، بل قامت واشنطن بدعم وتبنّي الحركة الشعبية وغيرها من الحركات الانفصالية لتقسيم السودان الذي كان هدفاً أميركياً وقدراً محتوماً في وجه كل حاكم عربي يصر على الانفراد بالمشهد وفي ظهره ملفات إرهاب أو جرائم حرب، إذا انتهت صلاحيته.

"يفقد البوصلة من يعتقد بأن الخطر مجموع في الشعوب". ولذا يجب أن تعي السعودية بأن أساس الأمن السياسي ليس الشرطة السرية "المباحث" ولا اللجان الإلكترونية التي تتلاعب بالمشهد الإعلامي ولا هو في الدخول في حروب فاشلة للف الجماهير حول خاصرتها، فالاتحاد السوفييتي كان أولى بالبقاء 1991م، أيضاً أن لا تغتر بقدم الصداقة والمصالح المشتركة مع الولايات المتحدة التي تتحين الوقت المناسب لإنفاذ قانون جاستا، وأن تعي بأن للاستقرار قواعد أصيلة غير المزيفة التي تعتمدها بين التكميم والتنكيل ولي ذراع الكلمة بتهمة الإرهاب.

وفي الختام.. شن الحروب بطريقة ارتجالية منعزلة عن إرادة الشعب وركاكة التقدير في إدارة الحرب والأزمات أودت بصدام حسين 2003م، وانتهاك حقوق الإنسان وافتعال المشاكل جعلت البشير في مواجهة الاتهام 2009 من قبل محكمة الجنايات الدولية. والحال في تشابه مع بقية الحكومات العربية التي تعيش تحت ضلال الفوضى مع اختلاف التفاصيل والمآلات السوداء.

غير أن الخطأ المنهجي الذي يجب تسليط الضوء عليه هو اتكاء القيادة في المطبخ السياسي على مقولة في ما معناه "وإن كنا دواجن فإن نرجن على بيض تماسيح" لا يريدها الغرب، ليست مطلقة الثبوت خصوصاً مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وعجز السعودية المتسارع في التأثير في المنطقة، وتمدد الند التقليدي إيران رغم إنفاق الأول المضاعف ثلاث مرات في السنوات الخمس الأخيرة.

ما سبق وغيره من ما سقط عمداً لتكرار الحديث عنه كالموجة الثانية للربيع العربي يجعل المبادرة لإصلاحات دستورية هيكلية تقعد لفصل السلطات والمشاركة السياسية في غاية الأهمية والوجوب حمايةً للشعب والحكومة والنظر بجدية عملية قبل فوات الأوان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.