المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر عاصي  Headshot

الشاورما.. منذ 500 عام كيف اخترع الأتراك أول آلة لصناعتها؟

تم النشر: تم التحديث:

ليس غريبا أبدا أن ترى وأنت تتجول في متحف العلوم الإسلاميّة في إسطنبول نماذج بديعة لآلة الأسطرلاب، أو حتى شيئا من مستلزمات الطب والجراحة التي كان يستخدمها أطباء المسلمين قبل ألف عام، فالمتحف فيه أكثر من ذلك بكثير وأعجب، فوجود سيخ للشاورما في قسم الفيزياء مسألة تستحق الوقوف عندها!

والحكاية تبدأ قبل حوالي 500 عام في عاصمة الخلافة العثمانية إسطنبول في زمن السلطان سليمان القانوني، حيث كانت الدولة تعيش أياما ذهبية، وكانت إسطنبول حينها محط أنظار العالم أجمع بما فيهم القاضي "تقي الدين الراصد" الذي كان يتردد مع أخيه على عاصمة الخلافة، وفي إحدى رحلاته وبينما هو في إسطنبول أو "القسطنطينية العظمى" خطرت بباله فكرة عظيمة، لم تخطر ببال أحد من قبله، وهي: "آلة لتدوير السيخ الذي يوضع فيه اللحم على النار فيدور من نفسه من غير حركة حيوان".

وجود هكذا ابتكار "آلة صناعة الشاورما" يُمكن أن يكون مفتاحا ومدخلا للاطلاع على فنون المسلمين في علم الحيل، الذي لا نعرف عنه إلا أقل القليل مقارنة بإسهامات المسلمين في علوم الطب والفلك

فقد كان الرجل لامعا في علم الهندسة الميكانيكية والذي كان يُعرف حينها بـعلم الحيل، كما أن تقي الدين ترك لنا وصفا دقيقا لهذه الفكرة وذلك في كتاب: "الطرق السنية في الآلات الروحانية" وتحديدا في الباب السادس حيث جاء: "يوضع فيه اللحم على النار فيدور بنفسه بقوة البخار المندفع من عنفة إبريق من النحاس المفرغ المسدود الرأس، المملوء بالماء، وقبالة بلبلته فراشات الدولاب والنار موقدة تحت الإبريق، فيندفع البخار من البلبلة، ويحرك الفراشات، فتدير مسننا، ويدير هذا مسننا متعامدا عليه، ويدير ذاك سيخ الشواء، وإذا فرغ الماء من الإبريق، قرب إليه ماء بارد في إناء، بحيث تغطس بلبلة الإبريق فيه، فيجتذب بحرارته جميع ما في الإناء من ماء ثم يبدأ بدفعه بخارا إلى الفراشات".

هذه الآلة كانت واحدة من بين ثلاث آلات طوّرها تقي الدين في مجال صناعة الشاورما واللحوم، هذا بالطبع غير الكثير من المضخات والآلات الفلكيّة التي طورها في حياته، ولكن لآلات الشاورما ميزة خاصة، فهي لا تخص العلماء والمهندسين فقط، بل تخص كُل صاحب مطعم وكُل عاشق للشاورما، ويبدو أن هذا ما دفع فريقا من العلماء الألمان لإعادة تصميم هذه الآلات، وهي موجودة اليوم في مركز دراسات العلوم الإسلامية في جامعة غوتة في فرانكفورت، فقد سبقت هذه الآلة العبقرية الابتكار الذي سيغيّر العالم ويؤدي إلى الثورة الصناعية وهي "المحركات البخارية"!

في متحف العلوم الإسلاميّة بإسطنبول، هناك نموذجان من آلات تقي الدين الخاصة بالشاورما، وهي لا تفتح الشهيّة لتناول الشاورما بقدر ما تفتح الشهيّة للعلوم والهندسة، فقد يمر زائر المتحف ممن ليس لديهم اهتمام خاص بالعلوم، بكل ما فيه من تُحف مذهلة كالأسطرلاب وآلة التقطير دون أن يلقي لها بالا، بيد أن وجود هكذا ابتكار يمكن أن يكون مفتاحا ومدخلا للاطلاع على فنون المسلمين في علم الحيل، الذي لا نعرف عنه إلا أقل القليل مقارنة بإسهامات المسلمين في علوم الطب والفلك!

وبعيدا عن الشاورما والفيزياء، فإن العربي الذي درس في المدارس الحكومية في بلادنا العربية بأن الدولة العثمانية لم تكن إلا "احتلالا"، ولم تزد على الحضارة الإسلاميّة إلا "التخلف"، فإنه لا بد له من زيارة المتحف كي يرى أن الكثير من الاختراعات والابتكارات العلمية التي نتغنى بها.. تعود لأيام الخلافة العثمانية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.