المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر عاصي  Headshot

مسجد كولونيا.. حكايات ما وراء الجمال

تم النشر: تم التحديث:

من لا يعرف مدينة كولونيا، فلا بُد أنه سمع بعِطر الكولونيا الذي صُنع قبل 300 عام فيها وذاع صيته في كُل الأنحاء، فقد كانت فكرته والرائحة مُبهرة كما كان ثمنه باهظًا، تمامًا كزهرة "التوليب" التي أصبحت شعارًا للنسخة الأصليّة منه، فقد كانت هذه تُشترى من الممالك العُثمانيّة وتُباع في أوروبا بوزنها ذهبًا، يوم كانت ألمانيا وأوروبا مُنبهرة بالشرق وكل ما هو عثماني.. تمامًا بعكس ما نراه اليوم ونحن نتأمل حكايات ما وراء جمال مسجد كولونيا الجامع!

حتى قبل حوالي 50 عامًا، عام 1965 تحديدًا، لم يجد المُسلمين في مدينة كولونيا مسجدًا ليقيموا فيه شعائر صلاة العيد، فما كان من إدارة كاتدرائية كولونيا الشهيرة إلا بأن استقبلتهم ليقيموا صلاتهم فيها، جُن جنون البعض ممن راح يعجب "من كنيسة سُيّرت منها الحملة الصليبية الثانية قبل ألف عام ثم ها هي تستقبل المسلمين للصلاة برحابة صدر"، وقد كان عدد الأتراك حينها 2000، أكثرهم من العُمال الذين استقبلتهم ألمانيا للمُساهمة فيما دمّرته الحرب العالمية الثانيّة، فتكاثر هؤلاء وغيرهم من المُسلمين حتى صار تعدادهم فوق المائة ألف، أي حوالي 10 بالمئة من السُكان، ولهؤلاء اليوم أكثر من 30 مُصلى ومسجد، وأكثرها في الواقع قاعات صغيرة ليس لها أي ملامح معماريّة!

مع الوقت، لم يعد الأتراك مُجرد "عُمال أجانب" وبدأ هؤلاء يجتهدون في الحفاظ على هويتهم والتأسيس لبناء مسجدٍ جامعٍ يليق بحضورهم في كولونيا عمومًا وفي الأحياء التي تجمعهم مثل "مولهايم" و"كالك" و"إيرينفيلد" ويصل تعدادهم اليوم إلى حوالي 60 ألف، ورغم هذه "الكثرة" إلا أنهم لم ينجحوا في بناء مسجد جامع لهم منذ تسعينيّات القرن الماضي، بل إن الفكرة لم تتحول إلى حقيقة ملموسة إلا عام 2008 حين بدأ البناء الذي لم يكتمل إلا في شهر رمضان الأخير (2017) وذلك بعد عناء طويل.

من يُطالع الصُحف الألمانية وما نُشر فيها عام 2007 - قبل بدء البناء - سيجد العجب العُجاب حيث اعتبر البعض وجود مسجد كبير بمثابة "فشل للإندماج" الذي تسعى الحُكومة إليه منذ عهود، كما سيجد أن احدى الجماعات المُعارضة قدمت عريضة ضد المسجد وكان فيها أكثر من 7000 توقيع مُضلل، وليس أعجب من هذا إلا طلب أحد مشاهير الصحافة الألمانيّة - ومن باب الحريّة الفكريّة - بأن يُسمح له بتلاوة "الآيات الشيطانيّة" لسلمان رشدي، فراح زُملائه يُصفقون له ويعيبون من ينتقده، ولا أدري كيف ستكون ردة فعل هؤلاء لو طلب رجل أن يقرأ قبسات من كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر في كنيس يهودي.. لا بُد أن ألمانيا كُلها ستشتعل ضدّه!

من المُجحف أن نذكر هؤلاء ولا نذكر ما أكدته إحدى استطلاعات الرأي التي أشارت بأن ثُلثي المُشاركين من أهالي كولونيا لا يرون أي مُشكل في بناء مسجد للمسلمين، وهو أمرٌ جميل لا شك، ولكن المُشكلة أن نصف هؤلاء كان ضد وجود مسجد "ضخم"، وهو ما يكشف سرًا من أسرار تأخر هذا البناء الذي يصل ارتفاع قبّته إلى حوالي 35 متر، بينما يصل ارتفاع المآذن إلى 55 مترًا وهي مسألة غير مفهومة ضمنًا، بل ولها إشكاليّاتها حتى في بلد يتزعم "الحريّة" مثل ألمانيا، فقد استغرق الأمر وقتًا طويًلا قبل التوصل لاتفاق حوله، حيث بدى البعض متخوفًا من وجود معلمٍ إسلامي يطغى على المشهد البصري في الحي "الألماني"، كما تخوّف آخرون من أن يُصارع هذا المعلم معلمًا مسيحيًا عريقًا مثل كاتدرائية كولونيا، بل وراحوا يُقارنون فيما بينها، حيث يبلغ ارتفاع أبراج الكاتدرائية حوالي 157 متر، أي ثلاثة أضعاف ارتفاع مآذن مسجد كولونيا الجامع، هذا غير أن المهندس الألماني - المسيحي - نفسه راح يؤكد بأن المبنى لا يُمكن أن يطغى على المشهد لأنه مُحاط بعمارات أطول منه، ومن زار المسجد لا بُد وأنه لاحظ وهو يصعد الأدراج بأن ما يطغى على المشهد هو برج التلفاز، فارتفاعه يبلغ أكثر من 260 متر!

حكاية المآذن لم تنته عند ارتفاعها، فتصميمها لا يُذكرنا لا بالمآذن المملوكيّة ولا الأيوبيّة ولا حتى العثمانيّة، فهي مُصممة بشكل "حداثيّ" يُفهم أنها ضمن مُحاولة الدمج بين ما هو تراثي وحداثي في تصميم المسجد ككل، ولكن يبدو أنها هُنا "اضطرارية"، وقد تكون ردًا على من تخوّف من اغتراب مدينته بسبب المآذن العثمانيّة التي تبدو واضحة في النماذج الأوليّة المقترحة لبناء المسجد والتي قد تذكر بالعثمانيين، ولهذا فقد تم استبدال التصميم لتكون المآذن الجديدة "أكثر تجريدًا وحداثة وأقل تُراثية"، وهذا كُله كان مُقدمة لما بعده، حيث اشتعل خلاف بين جماعة المسجد والمعماري الألماني، وذلك حين وُجهت إليه عام 2011 اتهامات بعدم القيام بأعماله كما يجب ووجود أكثر من 2000 خلل في المبنى!

الخلل الجمالي الأبرز الذي قد يُلاحظه أكثر الزوّار ولا يروق لهم، هو اللون "الأصفر" للجدران الخرسانيّة الخارجيّة والتي كان يُفترض أن تكون بيضاء، والنُكتة أن الصحافة كانت تحتفل كُل مرّة بهذه الإشكاليّات وتصنع منها حكايات، حيث ظهر حينها فيلم بعنوان "الله في إيرينفيلد (حي المسجد)" والذي روّج لفكرة أن سبب الإشكاليّة يكمن في فكرة سيطرة الحكومة التركيّة على القرار ومحاولة التخلص من المهندس المعماري "المسيحي"، وذلك بدلًا من مناقشة الأخطاء التي تمّت في عمليّة البناء - كما هي عادة الألمان!

حتى مع وُجود الخلل، فلا يُمكن القول بأن التصميم الخارجي سيئًا، بل فيه الكثير من الجمال كما فيه قيمٌ كامنة عميقة تم العمل عليها بعناية، فالمبنى مُصمم ليعكس أن المُسلمين في هذه البلاد ليسوا مُجرد "عُمال أجانب مؤقتين" كما كان يُنظر إليهم دائمًا، بل هم جزء من المجتمع ولهم وجودهم الدائم، ومن جهة أخرى يعكس التصميم رغبة المجتمع المُحيط - من غير المُسلمين - بأن يكون المسجد أكثر انفتاحًا واستقبالًا لهم، وهو ما يبدو واضحًا من كثرة المساحات الزجاجيّة الشفافيّة والتي تُزيل الحواجز والمخاوف بين من هم في الداخل والخارج، وهذا غير أن المزج بين ما هو حداثي وتراثي يُمكن أن يساهم في تقديم آفاق جديدة لحل إشكاليّات الهويّة التي تعيشها الأجيال المُسلمة في ألمانيا.

الجمال الحقيقي، كما رأيته، لا يكمن في موضعٍ كما يكمن في العمارة الداخليّة للمسجد، فما إن تدخل المسجد حتى ترى خزائن الأحذيّة المرقّمة والجذابة بألوانها التي تتغيّر إليكترونيا، ثم ما إن تنظر أمامك حتى ترى المحراب المُبهر وهو أشبه ما يكون بمحراب سلجوقي يُذكرنا بشيء من عراقة الماضي، ثم ترى الزجاج الشفاف من حوله يجعل الضوء يتلاعب في المسجد ليُضيف سحرًا للمسجد وزخرفاته التي تنتشر في كُل مكان والتي عمل عليها أكثر من 30 فنان لأكثر من خمسة أشهر، كما يثير السجاد الأزرق "البترولي" في النفس شيءٌ من مشاعر الطمأنينة والانسجام، والقبّة من فوق لا تزال تحتفظ بفتحة يُنظر منها إلى السماء، ثم ما إن تعيد النظر في الزخارف حتى ترى فيها "عيسى روح الله" وكأنها رسالة طمأنةٍ أخرى .. بأن هناك ما يجمعنا!

- هذة التدوينة منشورة على موقع مدونات الجزيرة

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.