المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Amr Hamzawy Headshot

نحن مهزومون !!

تم النشر: تم التحديث:

نعم بحسابات اليوم، نحن كذلك.

غير أن الاعتراف بالهزيمة لا يعني الاستقالة من مهمة الدفاع عن الحقوق والحريات، تماما كما لا تمهد المطالبة بالابتعاد عن المساحات التي تسيطر عليها وتفسدها السلطوية الجديدة - فساد الإماتة فيما خص السياسة، وفساد المكارثية وإلغاء العقل فيما يتعلق بالمجال العام ونقاشاته - للانسحاب من مواجهة حكم الفرد أو للتخلي عن الإصرار على استعادة مسار تحول ديمقراطي.

بحسابات اليوم، نحن مهزومون. أنظروا إلى أفعال وممارسات السلطوية الجديدة، لتدركوا كيف تعتاش على وهننا منذ أدارت الخروج على الديمقراطية في صيف 2013 ومنذ انحازت إليها أغلبية المنتسبين إلى الفكرة الليبرالية وإلى اليسار الديمقراطي في تنصل كارثي من المبادئ والقيم المدونة في كتبهم - وكتبي، وفي خطيئة كبرى لا تقل تداعياتها مأساوية عن خطايا الإخوان في عام حكمهم حين عصفوا بمنطق الدولة بتكريس ثنائية "الرئيس المنتخب والجماعة المغلقة المستأثرة بالأمر من وراء ستار" وانقلبوا على قاعدة التوافق الوطني وتناسوا أولويتها لإدارة التحول الديمقراطي وورطوا مصر في صراعات هوية شكلت حاضنة إما للعبث الفكري أو للتطرف الديني والطائفي والمذهبي.

تتراكم المظالم وتتورط المؤسسات الرسمية في انتهاكات مروعة للحقوق وللحريات - قبل فض الاعتصامات في صيف 2013 وبعدها، وممثلو السلطوية وحملة مباخرها من خدمة السلطان والمكارثيين يطلقون دون تردد صنوفا كثيرة من العبث على الرأي العام المصري والرأي العام العالمي، تارة بنفي وقوع مظالم وانتهاكات وثانية بتبريرها باستدعاء مقولات الحرب على الإرهاب وحماية الأمن القومي وثالثة باتهام منظمات حقوق الإنسان الوطنية إما "بالجهل وعدم الإلمام بأوضاع مصر" أو بالتآمر والخيانة ورابعة بالتشكيك في حيادية تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والزج بها إلى خانات تحالفات متوهمة مع الإخوان وداعميهم.

تمرر قوانين وتعديلات قانونية استثنائية تجرد المجتمع من مبدأ سيادة القانون وتجرد المواطن من ضمانات الحقوق والحريات والتقاضي العادل - من إلغاء الحد الزمني الأقصى للحبس الاحتياطي إلى قانون الإرهاب وتعديلات قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية، تميت المؤسسات الأمنية والاستخباراتية السياسة وتترك خدمة السلطان والمكارثيين للمشاركة في الديكور الانتخابي وتسيطر على المجال العام عبر إخضاع وسائل الإعلام لمقتضيات الرقابة / الرضا / الغضب الأمني وتترك هنا أيضا خدمة السلطان والمكارثيين لمواصلة إنتاج ضجيج "إلغاء العقل" لكي لا يستفيق الناس جماعيا أو يفكر المواطن فرديا في ما آل إليه حال مصر، بل تغزو السلطوية بمؤسساتها الأمنية والاستخباراتية كل المساحات المجتمعية التي تصنفها هي كمصدر تهديدات محتملة لحكمها - من الجامعات التي تدار أمنيا والمدارس التي ستوجهها عما قريب وحدات "الأمن الفكري" إلى منظمات المجتمع المدني ومجموعات الدفاع عن الديمقراطية المحاصر حصار الإبعاد والتهجير والحركات النقابية والعمالية المستقلة المحاصرة حصار الإلغاء؛ وكل ذلك والكلفة التي تتحملها السلطوية تظل محدودة للغاية وتحفزها من ثم على المزيد من التغول والمزيد من تشويه ذاكرة الطلب الشعبي على العدل والحرية والكرامة الإنسانية - هوجة "تعديل الدستور" نموذجا.

بحسابات اليوم، نحن مهزومون. أنظروا إلى "حالنا" ومظاهر الوهن المتنوعة المحيطة بنا؛ كتاباتنا تتحول إلى عرائض شكوى وصياغات نواح ويأس - تعبت يا بلدي تعبت / حزين عليك يا بلدي / الوحشة، تعليقاتنا تستنفذ طاقتها في الكثير من تعبيرات الغضب ومقولات الاستهزاء بالآخر بينما يتراجع عمقها المعرفي والفكري الذي ربما حرك بعض المياه الراكدة إن أعيد اكتشافه، وتتصاعد معاناتنا الجماعية من التهديد المستمر بالقمع ومن سيل الاتهامات المتناقضة (هنا أنصار جماعة الإخوان وهناك أنصار الديكتاتورية، ونحن هنا ندافع عن الحقوق والحريات وهناك نرفض الخروج على الديمقراطية وحكم الفرد) ومن محدودية التضامن الشعبي معنا بعد أن أنصرف الناس وبفعل تزييف الوعي الذي يديره خدمة السلطان والمكارثيون وبفعل الحصار المفروض على المجتمع المدني والحركات النقابية والعمالية وعلى الجامعات والمدارس، وننزلق تدريجيا إلى خانات الاحتياج إلى العلاج النفسي لكي نحافظ على شيء من إنسانيتنا. نحن في وضعية وهن شاملة.

بحسابات اليوم، نحن مهزومون. والبداية الحقيقية للتغيير هي الاعتراف بالهزيمة دون استعلاء زائف والابتعاد عن المساحات التي أخضعتها السلطوية لسيطرتها، والبحث عن مساحات بديلة للمطالبة السلمية بالعدل والحق والحرية وبالديمقراطية فقا لرؤية واقعية وواضحة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.