المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علا خضر Headshot

أنين

تم النشر: تم التحديث:

نظر لعينيها طويلاً ثم تعجَّب قائلاً: يشتعل الحزن في عينيكِ كنارٍ فارسية لا يخبو لهيبها، من أين لكِ كل هذا الحزن سيدتي؟!

أجابت: حين كَسرت لعبتي بالخطأ، وهرعت إلى حضن أبي؛ كي أدفن فيه حزني الصغير، فلم أجد فيه متسعاً، هنا عرفت معنى الحزن يا سيدي.

الحزن يا سيدي

أن يكون قلبك ديوان مظالم يستقبل فيه مظلمة القاصي والداني، يسمع شكوى هذا ويرتِّق جُرح ذاك، يربِّت على قلب هذا، ويكفكف دمع ذاك، وحين تأتي مظلمته يدق جميع الأبواب، تتيبَّس يده، ولا أحد يجيب.

الحزن يا سيدي

أن تظن بسذاجة طفل فقد أبويه أنَّ أول العابرين سيكون لك حصناً، حباً ودفئاً، ثم تكتشف بعد عمرٍ من الخيبة أنَّك كنت واهماً، وأنه ما عاد لك حتى من جدار لتتكئ عليه.

الحزن يا سيدي

أن تلقاهم وفي القلب عصفور وأغنية ويلقونك وخلف ظهورهم ألف ألف خنجر.

الحزن يا سيدي

أن تقف وحيداً في الضباب؛ البعض يلوح لك بالوداع، والبعض الآخر لا يكترث لك، الكل يخترق الضباب، ووحدك تظل عالقاً لا برَّ لك لترسو عليه، لا شاطئ يحتملك.. تمشي فيأبى الطريق خُطاك، تصرخ فيتجمد صوتك، تلوِّح بيد هزيلة فلا يراك أحد، فيكون قدرك كقدر الأشجار يستبد بها خريف تِلْو خريف حتى تموت هكذا واقفة لا يدرك رحيلها أحد.

الحزن يا سيدي

أن تسير دائماً بمحاذاة الحياة، حتى إذا ما دعتك نفسك لتتعمَّق فيها وتنهل من خمرها وأخذت قدحك لتملأه اكتشفت أن القدح مثقوب.

الحزن يا سيدي

أقدارنا التي تعبث بنا، نقضي العمر ولا ندري أين البداية، أين النهاية، أين الطريق، وما الهدف؟ ونظل هكذا نتخبَّط في دوائر مغلقة، وعبثاً نحاول الفرار.

الحزن يا سيدي

أن تكتشف بعد عمر من الطعنات أن كل الوعود بروق خلَّب، كل الوجوه مقنَّعة، كل الملامح مشوَّهة، كل الأحلام مبتورة، وكل المعاني الجميلة محض هراء.

الحزن يا سيدي

أوراق العمر التي تتساقط في غيابهم خلسةً حتى إذا ما انتبهت لسقوطها وانحنيت لتُلملم ما تبقى منها وجدتها وقد أتت رياح الخريف على آخرها.

الحزن يا سيدي

أوطاننا التي نعشقها وتتنصَّل منَّا فنغادرها، وفي القلب غصَّة حتى إذا ما قتلنا الحنين إليها وجئناها في آخر العمر محمَّلين بكسوراتنا، وهن غربتنا وأوجاعنا وانحنينا لنقبل ثراها علَّه يضم رفاتنا، وما تبقى من حياتنا، فإذا بها تلفظنا أمواتاً وأحياءً.

الحزن يا سيدي

أنين المشرَّدين، الموجوعين، الجوعى والمنكسرين، الذين كانوا عبثاً ينشدون عدلاً ورحمة، فمزقتهم رحايا عالمٍ امتهن الظلم حتى فقد كل ملامح الإنسانية، فكان قدرهم أن يكونوا ملح الأرض.

الحزن يا سيدي

عاصفة حنينٍ تعبث بالقلب، تُبعثر أجزائه وتطير بها إلى مدن الذكرى هناك حيث كانت تصدح ضحكاتهم، فتسطع نجوم السماء، وتنمو رياحين الأرض، فيفوح عبيرها في القلب، فيغدو القلب طفلاً يعانق النور والمطر، وحين تمد يديك لتعانق فيهم عمرك الضائع، لا تجد فيهما سوى رماد واقعٍ أليم.

الحزن يا سيدي

هوة تبتلع كل يوم جزءاً منَّا.

الحزن يا صديقي.. أن تكون صديقي ولا تفعل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.