المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علا غالي Headshot

المصريون وهوس الادخار

تم النشر: تم التحديث:

سمعت مقولة لا اتذكر قائلها ومفادها إن الولايات المتحدة دولة غنية مواطنوها فقراء، أما مصر فهي دولة فقيرة مواطنوها أغنياء. فالادخار ليس من ثقافة الشعب الأمريكي وإنما على العكس تماما، فهو ينفق ليتمتع بحياة مريحة تتناسب مع دخله. فمنظومة رأس المال لا تتوقف عن الدوران، ما يساهم في إنعاش السوق وتوفير المزيد من فرص العمل، لأنه يثق في السياسات الاقتصادية وأنظمة التأمين التي تحميه. فأقصى ما يدخر هو مرتب شهر أو شهرين على الأكثر لضمان رعاية أسرته حال فقده عمله.

في زيارتي لطبيب أسنان مصري في البلد محل إقامتي -الولايات المتحدة- تطرق حديثنا إلى الحياة الشخصية وعلمت أنه رزق حديثا بطفل، ومنذ ذلك الحين لا يكف والداه عن الإلحاح عليه للتواصل مع السفارة لاستخراج شهادة ميلاد مصرية لحفيدهم. ضحكت وقلت: "أكيد عايزين يشتروا له شهادات استثمار". نظر إليّ الشاب الطبيب باستغراب وحياني بانحناءة ومد يده ليسلم عليّ تعبيرا عن تقديره لدقة استنتاجي.

والحقيقة إنها لم تكن دقة استنتاج، بقدر ما أنه من السهل على من مر بتلك التجربة أن يعلم كيف يفكر الشعب المصري، ومن عاش في مصر يعلم ما اعترى ثقافة المصريين من خلل في مفهوم الادخار، فتجده يبدأ في تجهيز متطلبات الزواج للصغيرة وهي لا تزال رضيعة ومن يطيق يقوم بشراء شقة ليغلقها لصغيرهم الذي لم يلتحق بعد بالحضانة أو شهادات الاستثمار التي يقوم الآباء والأجداد بشرائها لتأمين مستقبل الأبناء والأحفاد، فنجد الأفراد على كل المستويات كل بمقدرته يحملون على كاهلهم عبء تأمين مستقبل الجيل الجديد. فتكتظ المنازل بأغراض ليس لها استعمال وتنتشر الشقق المغلقة التي تزيد من أزمة الإسكان كما تملأ خزائن البنوك مدخرات أطفال ليسوا بحاجة لها في حاضرهم. وهذه الظواهر يستحيل أن تجدها في المجتمع الأمريكي على الإطلاق.

فما الذي يدعو شعب دولة فقيرة إلى هذه السلوكيات المكبلة للاقتصاد والتي تساهم في مزيد من الأزمة؟

لا اعتبر الشعب المصري من النصحاء الذين يحسبون حسابا للمستقبل، فهذه طريقة بائسة لتأمين أي مستقبل، بل -للأسف- أنا أضمهم في عداد الجماعات التي تفتقد الإحساس بالأمان ويعتريها الخوف من المجهول.

النظرية الاقتصادية تقول إنه إذا انخفض سعر فائدة البنوك فسوف يشجع ذلك على التحول للاستثمار في المشروعات الصغيرة.

أقول إن المصريين إن وصل بهم الحال لدفع رسوم على مدخراتهم لن يتحولوا للمجازفة بها في هذا المناخ غير الآمن لأية مشاريع، بسبب تخبط السياسات الاقتصادية وعدم ثقتهم في حكوماتهم.

كما أن المصريين لا يتمتعون بعنصر هام ومؤثر في منظومة تشجيع الاستثمار، فهم لا ينعمون بأي ضمانات تحميهم من عوارض الزمن، فليس لديهم تأمين صحي يكفل لهم رعاية صحية مقبولة كما أنه لا يتوفر لهم إمكانية التأمين على الممتلكات أو الحياة، فهم دائمو الخوف من الغد ومن تقلباته ولا يمكن لمثل هذه الظروف أن تشجع على استثمارا أو تنعش سوقا. فان لم تزل أسباب الخوف، ستظل "ثقافة الادخار" في سلوكيات المصريين ضربا من ضروب الهوس الذي لا شفاء منه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.