المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علا غالي Headshot

دين ورجال وحكام.. الأزهر في ألف عام

تم النشر: تم التحديث:

يظن البعض أن مقولة "خلط الدين بالسياسة" ترجع إلى جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها حسن البنا (سنة 1928 ميلادية) في مصر، بعد سقوط الخلافة العثمانية، والحقيقة أن المعلومة غير دقيقة؛ لأن أول من خلط الدين بالسياسة كان مؤسسة الأزهر ذاتها، فقد مارست السياسة قبل ذلك بما يقل عن الألف عام من ذلك التاريخ بقليل، وبالتحديد بعد إعادته للحياة بعد إغلاقه مدة المائة عام في عصر الدولة الأيوبية.

وكما كان المجتمع المصري يعتنق الإسلام السني قبل جماعة الإخوان المسلمين، كان كذلك قبل سقوط الدولة الإخشيدية، وبناء الجامع الأزهر على يد الفاطميين الذين جاءوا إلى مصر سنة 970 ميلادية.

بنى جوهر الصقلي مدينة القاهرة؛ لتكون مقراً للخلافة الفاطمية، وكذلك بنى جامع القاهرة (الذي اشتهر بالأزهر لتوسطه مجموعة القصور الزاهرة (سنة 972 ميلادية -361 هجرية) بأمر من المعز لدين الله، أول خلفاء الدولة الفاطمية لممارسة شعائر المذهب الشيعي الإسماعيلي الذي يمثل الطائفة الإسلامية التي ينتمي إليها الفاطميون.


ولنشر المذهب بين أطياف الشعب المصري، قام الجامع الأزهر بدور المسجد والجامعة في آن واحد، وقد رفع فيه الأذان أول ما رفع بـ"أشهد أن علياً ولي الله"، بعد إلحاقها بشهادة "أن محمداً رسول الله"، وقد رفع قبل ذلك بنفس الصيغة بأمر من جوهر الصقلي بمسجد أحمد بن طولون، الذي كان يمارس فيه المصريون شعائر مذهبهم السني، وقد شارك المصريون الفاطميين العديد من احتفالاتهم الدينية، التي ما زالوا يحيونها إلى يومنا هذا.

وبعد حوالي مائتي عام بدأت الدولة الفاطمية في الانهيار إلى حد تآمر رجال الدولة على بعضهم البعض، مستعينين بالصليبيين، وتمكن جيش صلاح الدين الأيوبي من الاستيلاء على السلطة في مصر وتولي حكمها سنة 1169 ميلادية، وكان صلاح الدين من الطائفة السنية، فأراد أن يوقف المد الشيعي في مصر، فطلب من قاضي القضاة الشافعي (مقام مفتي الديار) إصدار فتوى
بإغلاق أبواب الجامع الأزهر، ومنعت إقامة صلوات الجمعة والصلوات الجامعة، وأنشأ مدارس لتدريس المذاهب الأربعة، وقد استمرت أبواب الجامع الأزهر موصدة لمدة مائة عام تقريباً من ( ٥٦٧-٦٦٥ هجرية) هي عمر حكم الدولة الأيوبية.


بعد سقوط الدولة الأيوبية حكم المماليك مصر لمدة ما يقرب من 130 عاماً، وأعيد فتح أبواب الأزهر من جديد بفتوى أخرى من قاضي القضاة الشافعي، لكن هذه المرة كجامع تُمارس فيه الشعائر السنية، وجامعة أصبحت قِبلة للدارسين من أقطاب العالم الإسلامي، خاصة بعد هجوم التتار على بغداد وبلاد الشام، وتمت توسعت الجامع الأزهر، وأضيفت أروقة ومنارات وخصصت له الأوقاف، فكان عصر المماليك من أزهى عصور الجامع الأزهر، واتخذ مكانته كواحدة من أعرق ثلاث جامعات في العالم الإسلامي (هي الزيتونة في مدينة تونس التونسية، والقرويين في مدينة فاس المغربية، والأزهر في مدينة القاهرة بمصر)، واستمد قوة وتأثيراً في الحياة الدينية والعلمية، وكذلك في توجيه سياسة الحكم.

وهنا يجب أن نقف وقفة للتحول الذي حدث للمكان من جامع كان يدعو للمذهب الشيعي الذي تعتنقه الدولة الفاطمية، ولولا سقوطها لتحول المصريون إليه كما تحولوا من المسيحية إلى الإسلام بعد "الفتح الإسلامي"، ثم إلى مجرد مبنى مهجور أغلق لمدة مائة عام؛ ليعود مرة أخرى للحياة بتحول ليس فقط طائفياً، بل ليلعب دوراً كمؤسسة اتخذت كرسي الخليفة بصورة مستترة، فنمت لتصبح مؤسسة دينية وتعليمية ومركزاً للحكم السياسي كدور أتاحه لها حكم المماليك كما أتاح لها ميزانيتها المالية المستقلة.

تقلص دور الأزهر بعد سقوط المماليك ومجيء الدولة العثمانية (1517 ميلادية) نسبياً فعين قاضي القضاة (المفتي) تركياً ليتبع الدولة، كما نقل العلماء والصناع المهرة إلى عاصمة الخلافة (الأستانة).

وتحول من لاعب رئيسي في الحركة السياسية إلى مؤسسة دينية وتعليمية دون مساس بميزانيته، فاستقل عن الدولة بلغته العربية وميزانيته المالية، واستحدث منصب شيخ الأزهر وتولاه لأول مرة الشيخ محمد الخرشي سنة (1090 هجرية - 1679 ميلادية)، ولكن وجد رجال الأزهر دوراً سياسياً بديلاً عن دوره كمؤسسة حاكمة، لكن هذه المرة كبرلمان يمثل الشعب المصري، ويتحدث باسمه أمام الحكام، وكان علماء الأزهر حينها إما شفعاء لدى الأمراء والولاة لرفع ضرر أو خفض غرم، فاستمد قوة من العامة بدفاعه عنهم، وبدأ يدرك العثمانيون قوة الأزهر في توجيه الشعب فخضعوا له.

في سنة (١٧٩٨ ميلادية) جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر لقطع طريق تجارة إنكلترا عن مستعمراتها في الهند، وتجاوز نابليون حركة المقاومة في الإسكندرية، ووصل إلى القاهرة، واتجه إلى الأزهر للتفاوض مع شيوخه لعلمه بتأثيرهم في المجتمع المصري، ومن ثم القرار السياسي وأسس الديوان الفرنسي الذي ضم بعض شيوخ الأزهر، وعلى رأسهم شيخ الأزهر حينذاك عبد الله الشرقاوي، وهادن الأزهر مع نابليون؛ لعدم امتلاك مصر أدوات لصده، وتداعت الأوضاع، وصدح أئمة المساجد من أعلى المنابر "حي على الجهاد"، فضرب نابليون الجامع الأزهر بمدفعيته ودخله جنوده بالخيول، وهرب نابليون سراً من مصر خوفاً من ردود فعل المصريين، وولى "كليبر" على رأس الحملة الذي قتله لاحقاً الأزهري "سليمان الحلبي"، فحاكمه الفرنسيون وعذبوه إلى الموت.


غادر الأسطول الفرنسي مصر سنة (1801 ميلادية)، واستمرت البلاد في اضطرابات حتى تولى محمد علي باشا الحكم سنة 1805 ميلادية، وكغيره من الحكام بدأ بالأزهر مع الشيخ عمر مكرم، لكنه اتجه إلى إنشاء الدولة المدنية وحجّم دور المؤسسة الأزهرية، ونفى عمر مكرم إلى دمياط، وقلّص ميزانية الأزهر، وأنشأ المدارس وأرسل البعثات الفنية.

في حين رفض رجال الأزهر التحول الجديد، ويبدو أن الصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية لم تحرك لهم ساكناً، ورفضوا المدنية والتجاوب مع دعوات شيخ الأزهر "حسن العطار" (1830 ميلادية) التنويرية، بل يذكر لاحقاً عن الشيخ "عليش" أنه عندما كان شيخاً للأزهر رفع العصا على الشيخ "محمد عبده"، عندما علم أنه يقرأ على طلابه كتب المعتزلة ويرجح مذهبهم.

وقد عُين الشيخ محمد عبده بعد ذلك مفتياً للديار المصرية (سنة 1899 ميلادية)، ولأول مرة في تاريخ الأزهر ينفصل هذا المنصب عن منصب المشيخة.

وتقوقع رجال الأزهر على أنفسهم في عالمهم الخاص، ولا يزال المجتمع يخطو خطوات ثابتة وسريعة نحو التقدم، فتقابلها فترات طويلة من الرفض من قبل المؤسسة الأزهرية حتى يتم استيعابها.


والتقط بعد ذلك دور الأزهر السياسي بعد سقوط الخلافة العثمانية (1924 ميلادية) جماعة الإخوان المسلمين (١٩٢٨ميلادية) التي لا تزال تشارك مؤسسة الأزهر رفض الدولة المدنية، وتدعو إلى إحياء دولة الخلافة برغم الانتهاكات التي تمارسها دول الخلافة، والاضطرابات التي يعاني منها الشعوب في مراحل تحولها.

وتقلص دور الأزهر بدرجة أكبر عبر الزمن إلى يومنا هذا على الأخص بعد انقلاب (1952 ميلادية)، فأصبح منصب شيخ الأزهر بالتعيين، وتحولت تبعية ميزانيته للدولة العسكرية فلم يعد حاكماً أو ممثلاً عن الشعب، أو حتى جامعة معتبرة، بل محكوماً من قِبَل السلطة السياسية، وانحدر دوره بصورة مهينة لتاريخه العريق فصار وصياً على الشعب كالأم التي تعاني من الفراغ، فتتسلط على أبنائها فحولتهم إلى فاقدي أهلية لا يملكون التصرف في أدق شؤونهم إلا بالعودة إليها.

ويبقى سؤال أخير بعد سرد هذا التاريخ الطويل للجامع الأزهر أظن أن إجابته لا تحتمل أي شك: هل تتحكم السلطة الدينية في الحياة الاجتماعية أم أن السلطة السياسية هي التي تتحكم في الدين والمجتمع معاً؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر الرئيسية للمعلومات الواردة بالمقال مجموعة من الأفلام الوثائقية عن الأزهر الشريف مدعمة بأحاديث شيوخ من الأزهر وكتاب تاريخ إسلامي.

الروابط:

قصة الأزهر : الخوذة و العمامة - الجزء الأول فلم وثائقي 1-4

قصة الأزهر : و دخلت الخيل الازهر - الجزء الثاني 2-4

قصة الأزهر : الإصلاحيون و الثوار - الجزء الثالث 3-4

قصة الأزهر : بين ثورتين - الجزء الرابع و الأخير 4-4

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.