المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علا علي فهمي Headshot

أي نصر يتحدث عنه الأسد في حلب؟!

تم النشر: تم التحديث:

حلب تلك المدينة الشامخة، التي انتزعت ماء وجه العالم، وخلعت سُترته المهترئة، وأصواته الزائفة، حلب التي لم يفرغ الأسد وشبيحته من أنهار دمائها الممزوجة بحكايات المظلومين، ودعوات الساجدين، ورماد حقول الياسمين، ونجوى القلوب الصابرة، وتيه العيون الساهرة، حلب التي تنزف دون توقف؛ لِتُصبغ خَشاشَ الأرض بحمرة الدم الطاهر، ويُعانق أطفالها حبات ترابها الباكية في رمقهم الأخير.

أخبرونا منذ طفولتنا أن العرب قلب وجسد واحد، وأن التعاون قوة، والفُرقة ضعف، لنُفاجأ منذ الصغر بأن الحديث عن قوميتنا ووحدتنا العربية ما هو إلا هُراء، وحلم كاذب، وسراب مُعتم طويل، وسط ضجيج عناوين ومشاعر الهزائم والضعف واحتلال فلسطين الجريحة، والفُرقة والانكسار وفقدان النخوة، ولكنهم لم يخبرونا يوماً أن الانقسام ليس ضعفاً فحسب؛ بل ذل وقهر وهوان، وتمكين لقوى الشر من بنيان الجسد العربي منذ عهد مضى.

فلنبكِ عروبتنا المسلوبة التي انتهكت وقُطعت أوصالها، وبعثرت في مخيمات لاجئين تكتظ بأرواح تائهة تبكي فُقدان الأهل، ورائحة الوطن المختزلة في أقمشة معقودة تحمل حفنة من ترابه.

وليقف الجميع احتراماً وتقديراً لشعب سوريا الذي أبى العيش ذليلاً، وسط رائحة الموت التي تنبعث من أشلاء الأجساد المُتناثرة، ورُفات الأحلام الموءودة، وأدخنة القصف وآلات الموت المحرمة دولياً التي تُزكِم الأنوف، وتخنق الصدور، وتخطف الأرواح، بقصف البراميل المتفجرة، والقنابل العنقودية، والغازات الخانقة والسامة، من قِبل الدُّب الروسي الهائج، وقوى الشر من ميليشيات القتل الطائفية، كالحرس الثوري الإيراني، والميليشيات العراقية وحزب الله اللبناني، في مشاهد يشيب لها شعر الرضيع، وتنفطر من أجلها القلوب، وتعجز الحروف والكلمات عن وصفها.

حلب التي وقفت ثائرة صامدة طيلة ست سنوات منذ اندلاع الثورة، أمام عمليات القتل والإبادة والمجازر الإنسانية، والحصار والجوع، ونقص الأدوية الحاد، وقصف المشافي ومستودعات الأدوية، إلى مشاهد انتزاع صرخات الأجساد المُترامية من تحت الأنقاض، وسط صمت عالمي مُهين، وعجز وتخاذل الدول العربية، الذي أصبح شيئاً عادياً؛ بل وطبيعياً، في وطننا العربي المقسم والمقيد بحبال السلطة المتهالكة، ومهاترات النزاعات السياسية، والركض خلف المصالح المتغيرة بين ليلة وضحاها، وتصفية الحسابات، وحب الزعامة، دون أدنى انتباه لصور أحذية الأطفال السوداء اللامعة وسط بِرَك الدماء، وأرغفة الخبز المعجونة بالرمال، وصرخات وأنَّات الأجساد الصغيرة تحت الأنقاض.

إن حلب لا تحتاج المزيد من دموع التماسيح الغليظة، أو الشعارات الرنانة من خلف النوافذ والأبواب الموصدة، وعلى طاولات الدول العظمى التي تدير أحوالنا كأحجار الشطرنج النازفة.

لم تعد حلب تنتظر عروبتنا التي ستشهد علينا بأننا خُنا، وبِعنا، وتخاذلنا، وتذلَّلنا من أجل الحفاظ على كراسي زائلة، وعروش خاوية، سيراً وصعوداً على جثث شهدائنا، وحُطام أحلامهم ونعوش شبابهم، دون أن يرف لنا جفن.

لم تعد حلب في حاجة إلى كلمات الإدانة والحسرة البليدة، والتصريحات الماسخة من أجل حفظ ماء الوجوه العارية، إن الوضع هناك ليس عاراً على العرب والمسلمين فحسب؛ بل عار على الإنسانية بأكملها، والتاريخ لن يرحم ولن ينسى، وإن أطفأتم ناره بحرق أوراقه سيظل رماده ينطق بالحق، ويلاحقكم أحياء وأمواتاً.

شبيحة الأسد وميليشيات القتل والإبادة يتفاخرون بعرض صور ومقاطع فيديو لضرب الأطفال وتعذيبهم بأبشع الطرق، ويتشدقون بعبارات السخرية في ساحة المسجد الأموي، وبكل دناءة يسخرون من آهات نحيب وعويل سيدات حلب الشرفاء، من أجل بث روح اليأس والهزيمة في أرواحٍ لم تجنح للركوع يوماً خيفة جبناء مرتزقة تفنَّنوا في إتقان كل جرائم الحرب، وتلذَّذوا بعمليات القتل والتعذيب والتنكيل.

يتفاخرون بوهم اسمه الجيش النظامي، الجيش الذي لا يجيد سوى القتل المحرم دولياً، الجيش الذي يتلقى الأوامر من الروس وميليشيات القتل والإبادة الإيرانية والعراقية؛ لينفصلوا عن واقعهم الجبان المتعري، ودناءتهم الطاغية، ونفوسهم المريضة، ورؤوسهم الذليلة؛ للاحتفال بنصرٍ زائف ومُشترى، ومحكوم ومدعوم من قوى الحقد والشر، إنه ليس نصراً، ولا يمت للنصر بأية صلة؛ بل عار سيكتب في صفحات التاريخ والبشرية بلغة الدماء التي تعرفونها وتجيدون الحديث بها جيداً.

أي نصر يتحدث عنه الأسد؟! وتتحدث عنه روسيا وميليشيات إيران، أي نصر تتحدثون عنه وتحتفلون به؟! إنه أمر مثير للاشمئزاز والتقزز، تحتفلون بالدموية والدمار والتهجير، تحتفلون بالمجازر وجرائم الحرب والقتل والإبادة في حق المدنيين الأبرياء، والرقص مع ذئابٍ بشرية على بقاع الدماء الطاهرة، والاحتفال بموت أطفال رُضع في أحضان أمهاتهم، تتفاخرون بانتصار آلات الموت المأجورة، التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء من الأطفال، والأمهات الثكالى، والنازحون المدنيون الذين يركضون كالغرباء في وطنهم، خيفة وحوش كاسرة في بلادهم، والوقوع أسرى في سجون ومعتقلات دامية عنوانها الموت البطيء.

إن شهداء سوريا والعالم العربي أجمع أحياء عند ربهم يرزقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهنيئاً لهم شلالات الدماء التي ستفتت وتذيب صخور ظلمكم العاتية.

وإن سطور النهاية لم تكتب بعد، فرغماً عن كل هذا الألم الطاحن لآدميتهم، سيظل السوريون يحفرون كلمات الحرية، ويدوِّنون سطورها الخالدة حتى الرمق الأخير على أرصفة الطرق المُترامية، وإسفلت الشوارع الباكية، وعلى أشلاء عظامهم المبتورة، وستتدفق كلماتهم الحُرة إلى الآذان كخرير ماء المطر الذي يروي ظمأ الأرض؛ لتتفتح نوافذ الأمل في أرواحهم المُمزقة كفجاج من نور، تشدو في ساحاته أصوات حناجرهم المبحوحة بأنغام الحرية من جديد.

وستتلألأ دموعهم المُنهمرة كالدُرر اللامعة، وستُدبدب أقدامهم الهشَّة؛ لتعلن عصياناً كهزير الريح، حتى تستقم انحناءات ضلوعهم المنهكة، وتُزهِر عروق أجسادهم النافرة، كالأشجار الباسقة التي تنمو أوراقها وأغصانها اليابسة من جديد، وستظل القضية خالدة، وحكايات المظلومين شاهدة، حتى نصر الله القريب.

وستبقى حلب الشهباء ثائرة بحبات رمالها، وجدران حُطامها، وفُتات ورُفات شهدائها، ورماد حقول الياسمين المحترقة، ستظل المدينة الصامدة ولو كانت خربة خاوية من أهلها، سيبقى الحلم قائماً في العودة إليها، وتعمير أرضها من جديد، بحقول الزهور والياسمين، وحلويات المشبك والفستق الحلبي، وأسواقها الزاهية، ومآذن جوامعها العتيقة، وقناديلها ومشكاواتها المتلألئة، وضحكات الأطفال التي تعانق ضوء الشمس، وزخات المطر في الشتاء، ودفء البيوت المحطمة، التي ستشهد عتباتها وأحجارها على رش طلقات الرصاص المدوية في أجساد فانية، وأرواح باقية ستزيل سواد العالم رغماً عن أنوف الظالمين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.