المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Okba Alramma Headshot

إزالة العوائق في الطريق إلى دابق

تم النشر: تم التحديث:

05 سبتمبر/ أيلول 2014

يشكل الشعار الأمني إحدى الخصائص الهامة التي لا يمكن تجاهلها عند الهمّ بتأسيس وحدة دولية ذات طبيعة سياسية-عسكرية، سواء دولةً كانت أم تنظيماً يسعى لإنشاء دولة أو لإحداث تغيير جذري فيها، ويجاري هذا الشعار الطموحَ المستقبلي للوحدة الدولية، ويعبر برمزيّته عمّا تطمح إليه لجهة مكانتها في النظام الدولي، من ناحية، وعلاقاتها بالوحدات الأخرى من ناحية ثانية.
غير أن الشعار الأمني لم يعد حكراً على الأشخاص الدوليين، بل تعداه ليكون إحدى الركائز الأساسية للتنظيمات العابرة للحدود والقوميات، كجماعات الجريمة المنظمة، وحركات التحرر والمقاومة، والتنظيمات المتشددة. ولأن تنظيم "الدولة الإسلامية" يشغل حيزاً كبيراً من الاهتمام العالمي، وجبَ "التورط" في الحديث عن شعاره الأمني الذي يتبناه: "باقية وتتمدد. حتى ينزل الروم في دابق"، من خلال منهج تحليل مثالي حالم، ينطلق من منظورات افتراضية للتنظيم.

ليس غريباً في المشهد الدولي الحاضر، أن تبقَى"الدولة الإسلامية"، غير أنها لن "تتمدد"، ففي حال مثّلت مقولة "باقية وتتمدد" شعاراً استراتيجياً، يكون من السهل التنبؤ بأن مقولة "حتى ينزل الروم في دابق" تعبّر عن الشعار المرحلي المرتبط بتحقيق الاستراتيجية العامة، من خلال تحقيقه غاياتٍ ثلاث أساسية:

الأولى، نفسية-عقدية: إذ تخاطب هذه العبارة عقيدة المسلمين بأجمعهم، بهدف إحراجهم لتأييد "تنظيم الدولة"، باستنادها إلى الحديث النّبوي الشريف: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق "دابق" ... ويصبح ثلث لا يفتنون أبداً، فيبلغون القسطنطينية فيفتحون." بذلك تضع "الدولة الإسلامية" جموع المسلمين، مجدداً، أمام موازنة غير عادلة، بين "الإيمان" و"الردة" و"الكفر".

الثانية، سياسيةـ أمنية: إذ تدعم هذه العبارة التوجه القائل بوجوب التدخل العسكري البري المباشر للغرب في سوريا، بما يؤدي في المحصلة لحصر المعركة بين فئتين عقديتين، ليس بنفي الطبيعة السياسية للصراع فحسب، بل وإلغاء واقع صراعات المناهج والطرق بين الفرق الإسلامية أيضاً. بمعنى أن يصير الحال إلى صراعٍ أوحدٍ، ذي طبيعة دينية، تقوده "الدولة الإسلامية" ضد الغرب "الغازي" وحلفائه من "المجوس والصفويين" و"أنظمة الردة".

الثالثة، تعبوية-عسكرية: تضمن تلك المقولة، استحضار إحدى أهم عناصر النجاح العسكري الثلاث (التعبئة، التدريب والتسليح، التخطيط)، لجهة ضمان عبور قوافل الجهاديين من جميع أنحاء العالم لمؤازرة "الدولة الإسلامية" واتباع جميع الفصائل المتفرقة للفئةَ المتغلّبة في حربها ضد الغزاة، وفق مبدأ "دفع الصائل"، وعلى أساس "جهاد الدفع" الواجب على كل مسلم مستطيع، مدعوماً ذلك كله بمقتضيات السردية الجهادية المعاصرة التي تعلي شأو "وحدة الراية" سيّما بعد الأحداث التي تلت الغزو الأمريكي للعراق (٢٠٠٣-٢٠١٠).

إذاً، فالتدخل العسكري الغربي البري في سوريا، هو ما ترمي "الدولة الإسلامية" الوصول إليه من عمليات التصعيد المتكررة ضد المصالح الأمريكية، بمحاولتها اقتحام مدينة أربيل في كردستان العراق، وليس أقلَّ من ذلك تصفيتها لمواطنين أمريكيين، كان أولهم الصحفي "جميس فولي" الذي قضى ذبحاً في ١٧ أغسطس/ آب ٢٠١٤، ثم الصحفي "ستيفن سوتولف" الذي قضى ذبحاً أيضاً في ٠٢ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٤.
لن يحيد التنظيم عن تحقيق هذا الهدف، مهما كلفه الأمر من "جرائم" ترتكب بحق أشخاص يحميهم القانون الدولي، كما تحميهم تماماً، بل وتزيد، الشرائع السماوية. التنظيم لا ينظر إلى الصحفيين المختطفين لديه إلّا كمحاربين يجب قتلهم أو افتداؤهم!. هم أدواتٌ، ليست تستخدم لتطبيق نوعٍ من الضغط على الخصوم فحسب، بل وكأوراق يرميها، في وقتٍ يحدده بدقة، لتصعيد حدّة المواقف والسلوكيات المبذولة من خصومه، واستدراجهم إلى أرض المواجهة التي نشأ التنظيم لأجلها، ولا يزال يستمد مشروعيته في عقول الشباب المتحمس بالتدليل إليها كلما عييت عقولهم ونفرت قلوبهم من تصرفاته وجرائمه.

يُعلّم البغدادي أتباعه نمطاً جديداً من الدعوة الجهادية. يخاطب المسلمين والمسيحيين في آن معاً. يقول للمسلمين: تعالوا إلى الفئة الغالبة في دابق. بينما يقول للمسيحيين: سنسلم رايتنا إلى عيسى بن مريم. ومن المعلوم أن الإيغال في الإجرام يحفز الضحية على اتباع الأنماط الفكرية للمجرم إذا ما طال الأمد الاتصالي الاستكشافي بينهما. سيّما مع وجود النبرة المظلومية الحادة لتنظيم "الدولة الإسلامية في خطابات زعاماته: "لك الله أيتها الدولة المظلومة".

البغدادي، يعرف بأنه من السهل استغلال واقع تغييب "أهل السنة والجماعة" عن المشاهد السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية في دول المشرق العربي لصالحه. لديه قناعةٌ تقول بأن فشل الربيع العربي هو أولى أولويات نجاح دولته المزعومة، من منطلق أنها الناجي الوحيد، والخيار الأفضل، خصوصاً وأن شعوب المشرق المسلمة ضائعةٌ بين نظام عربيٍّ غائب، وأنظمة سياسيةٍ وطنيةٍ تابعة، ومشروع إيراني حركي يتفشى سرطانياً، ومؤامرةٍ غربية كونية يُعاد حبكها ضد حرّية الشعوب المكلومة، علاوةً على تشتت في الصف الإسلامي على مستوى الحركات والجماعات.

درس البغدادي كل ذلك جيداً، والدليل على ذلك محاولاته المتكررة منذ أبريل/ نيسان ٢٠١٣ إسقاط خصومه من الإسلاميين الحاضرين منهم على الساحة السورية والغائبين عنها. بدأ مع قتال الجماعات الإسلامية التابعة للمعارضة أولاً، ثم انتقل لمواجهة جبهة النصرة (قاعدة الجهاد في بلاد الشام). إلّا أن إعلانه الخلافة في يونيو/ حزيران ٢٠١٤ فرض عليه مواجهة جميع المشاريع الإسلامية، ليس في منطقة المشرق فحسب، بل في العالم أجمع، لنزع الشرعية عنها لصالحه، وعلى رأس تلك المواجهات تربع "تنظيم قاعدة الجهاد العالمي" وزعيمه أيمن الظواهري، وكذلك حركة طالبان الأفغانية وزعيمها "الملا عمر" الذي جرّده التنظيم من "إمامة المؤمنين" متهماً إياه بـ "الماتريدية".

أدرك التنظيم أيضاً أهمية جماهير "السنة" التي لا يمكن لها أن ترى نفسها كطائفة، أو أن تسمح لجهة ما بقولبتها وفق ذلك الاعتبار، لتأييده في تعبيد الطريق إلى "دابق". فبعد أن لقّن صحوات العراق درساً في العنف؛ سعى لكسب التعاطف والتأييد الشعبي من خلال شن عمليات عسكرية واسعة ضد نظامي الإجرام في العراق وسوريا. كذلك يرمي التنظيم لإقناع رجالات الدين الإسلاميين، بأنه ليس "خارجاً" عن الأمة، من مقتضيات محاربته لأهل الأوثان ورعايته أهل الإسلام. ومثال نجاحه في ذلك حيّ، يمكن رصده في التغيير الطارئ على موقف المنظر السلفي الجهادي الأردني "إياد القنيبي".

البلدة الصغيرة الواقعة جنب حلب من الناحية الشمالية الشرقية، استحوذ عليها تنظيم "الدولة الإسلامية" في 14 أغسطس/ آب 2014 بعد معارك عنيفة مع الكتائب المقاتلة، شاحذاً همم جنده بالتقدم أكثر في بلدات أرشاف والعزيزية ودويبق الواقعة بمحيطها، بحكم أن هذه الأرض ستكون محلّ المعركة المقدّسة في مواجهة "الروم". وبتلك السيطرة تكون "الدولة الإسلامية"، قد انتهت من مرحلة تهيئة أرض المعركة كأولى مراحل الحرب التقليدية، يليها العمل على استدراج الغرب للخوض في معركة سوريا، سواء عبر البر كان الأمر أم عبر الجوّ، المهم أن تخاض معركة برية في ريف حلب.! تلك المعركة التي أوجد التنظيم نفسه لأجلها، يعرف جيداً بأن اندلاعها يحتاج إلى بحر من الدماء يلحظُه العالم أجمع في بلدتي "نبل" و"الزهراء" ذواتا الغالبية الشيعية في ريف حلب الشمالي (٣٢ كيلو متر غربي دابق)، بما يتطلّبه ذلك من إخلاء لساحة المعركة من قوات المعارضة المتمركزة في بلدات مارع وعندان وتل رفعت الواقعة على الطريق الواصل إلى البلدتين المحاصرتين، كذلك التحييد الجزئي لسلاح الجو الرابض في مطار "كويرس "العسكري جنوب مدينة حلب.

يسير البغدادي وتنظيمه بعكس التيار الجهادي في آسيا الإسلامية، والمشرق العربي بشكل عام. يحاول إسقاط الواقع العسكري والسياسي على النص القرآني والنبوي، كي يصون ولاء مقاتليه المطلق وغفلتهم، ويكسب تعاطف "السنة" وتأييدهم، من خلال تحويل خط سير المعركة إلى مواجهة عدوٍّ للإسلام، وقيادة المعركة بحكم "الغلبة".

تحكي "دابق" قصة معركة ضروس بين العثمانيين والمماليك في القرن السادس عشر الميلادي، هنالك حيث كانت الدولة الصفوية تتربص الدويلات الإسلامية المتحاربة، وتناصب العثمانيين أشد العداء. انتصر العثمانيون الذين قدموا من إسطنبول في أرض المعركة التي جهّزها أمير المماليك "قانصوه الغوري" بـ "مرج دابق"، وما لبثوا أن تمكنوا من السيطرة على المشرق العربي والإسلامي بأكمله.