المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أميرة سعد حلوة Headshot

لما اللمبة تنور!

تم النشر: تم التحديث:

عندما تلقيت الدعوة للكتابة كمدونة في "هاف بوست" بدأت أرتب أفكاري في الكتابة عن المواضيع التي تهم كل أم وأب يهتمان بتربية وتعليم أطفالهما،
فجلست أعدد الموضوعات لأختار البداية، ثم فجأة توقفت يداي على لوحة المفاتيح، وتذكرت لحظة خاصة جداً دفنتها في قلبي منذ سنوات، ولم أتحدث بها مع أحد، اللهم إلا أنني حدثت زوجي عنها ذات مرة.

وقررت أن اكتب لكم اليوم عن هذه اللحظة، وعن تلك اللمبة التي أنارت بداخلي ذلك اليوم.
من أكثر الأسئلة التي تردني يومياً تقريباً من الأمهات ذلك السؤال اللولبي، مع أنه سؤال بسيط جداً وإجابته أبسط، إلا أن تطبيق الإجابة من أصعب التطبيقات التي تحتاج إلى درجة كبيرة من الوعي من قِبل الوالدين.

السؤال البسيط: كيف أكتشف موهبة طفلي وأنمي مهاراته حسب قدراته؟
الإجابة الأبسط: اتبعي شغفه وسيري خلف فترته الحساسة - خليكي جاهزة لما اللمبة تنور -
تأخذ الأم هذه الإجابة البسيطة من متخصصي المنتسوري فتتوه أكثر، فاتباع الشغف والفترات الحساسة للطفل ليس بالأمر اليسير هكذا، فهو يحتاج إلى درجة كبيرة من وعي الأم وقدرة على الملاحظة والتحليل والصبر.

وتحتاج أكثر من ذلك إلى أم استطاعت أن تكتشف إضاءة لمبتها الخاصة!
فكيف ستستطيع الأم أن تنير لمبة طفلها وتتبعها إذا كانت لمبتها الخاصة محروقة أو لم تتم إضاءتها من الأساس؟!

ذات يوم منذ أكثر من ثلاث سنوات كنت في جلسة مع أحد متخصصي التربية، نظرت تلك المتخصصة إلى طفلتي وقالت: أعرف هاتين العينين جيداً لم أر مثلهما كثيراً في حياتي.

اعتبرت ذلك مجاملة لطيفة منها ولم أهتم، إلى أن قالت:
أستطيع أن أجعل منك ومن طفلتك هذه نموذجاً يحتذى به، فأنا أرى بكما ما لا يمكن لأحد أن يراه!

حينها كنت قد أوشكت على مغادرة العشرينات من عمري وأستعد لاستقبال الثلاثينات.

وعندما غادرتها ظللت أفكر طوال أيام في حياتي التي كانت أشبه ما يكون بحياة تلك الأمهات التائهات الضائعات اللاتي لا يعرفن الكثير عن التربية ولم يتجهزن لها، اللهم إلا قراءة بعض المقالات هنا وهناك، ومتابعة تطور مراحل الجنين على بيبي سنتر.

ولولا قدر الله في أن جعل قلبي يربي طفلتي تربية فطرية سليمة، لكانت مليئة الآن بالمشاكل النفسية التي نمتلئ بها جميعاً.

وتذكرت ما حدث قبلها بسنوات عندما كنت أعمل في مجال الإعلام، وطلبتني شركة للعمل كرئيسة لقسم العلاقات العامة، ثم بعد أن انتهينا من اجتماع التعارف قال لي صاحب الشركة: هل تقبلين بالعمل كرئيسة لقسم التسويق؟

نظرت إليه وقتها باستغراب وأنا أقول: إنني مخرجة ومتخصصة إعلام، فقال لي:ولكن إمكانياتك في التسويق أعلى بكثير مما تظنين، وأنا متأكد أنك سوف تحققين للشركة مبيعات خرافية في وقت قصير.
اعتذرت له بلطف، وأخبرته أنني ليست لدي خبرات في التسويق، فطلب مني أن أعمل على سبيل التجربة، وأنه يثق فيما يراه أمامه من علامات.

عملت كمديرة في قسم التسوق لأسبوع واحد فقط، وخلال ذلك الأسبوع كنت قد وضعت خطة تسويقية لفريق العمل لخمس سنوات كاملة، وبدأ فريق العمل فعلاً بالتنفيذ تحت انبهاري أنا شخصياً بتلك المهارة التي لم أكن أعلم عنها شيئاً.

والسؤال هنا: كيف يعرفنا الآخرون أكثر مما نعرف أنفسنا؟
كيف يدركون مهاراتنا أكثر مما ندرك نحن؟
كيف يستطيعون أن يروا بنا ضوء تلك اللمبات التي لم نكن نعرف يوماَ بوجودها؟
كيف يمتلكون تلك الثقة التي لا نمتلكها عن أنفسنا؟!
وإذا كنا لا نعرف كيف ومتى تضيء لمباتنا، فهل سنستطيع أن نرى لمبات أطفالنا التي تضاء أمامنا يومياً؟!
هل نستطيع أن نرعاها ونحميها ونحن بهذا الجهل والضعف؟
من يحمي ويرعى يمتلك العلم والقوة، ونحن فقط لا نمتلك سوى الندب يومياً على حياتنا التي سرقها المجتمع منا!

وما نحن إلا قطيع من الضعفاء لم نفعل شيئاً ولم نحارب حتى من أجل أنفسنا!

منذ تلك الجلسة قررت أن أعرف طفلتي؛ لأنني اكتشفت أنني لم اتعمق في معرفتها، قررت أن أحارب ذلك الجهل بنفسي وبها بالعلم.
وقررت أكثر أن أتعرف على نفسي، على مهاراتي، قدراتي وإمكانياتي.

أن أضيء لمباتي المحروقة، أن أستعيد كياني المسروق، وأن أعوض فتراتي الحساسة التي ضاعت مني.

قررت أن أدخل في أعماقي؛ لأمحو كل نظراتهم الساخرة من داخلي.
سأحرق كل كلماتهم المدمرة، سأنزع أفكارهم التي أتبناها والتي أوهموني أنها أفكاري، وسأبني لي قصراً كبيراً، سأملأه بأفكاري أنا، ستكون طموحاتي في كل ركن فيه، وسأكتشف معه قدراتي وسأرعاها وأسهر على حمايتها.
سأحتفظ في قصري بكل كلمة إيجابية سمعتها يوماً، وإن لم أسمع فسأخبر نفسي بكل الكلمات التي تُحَفز المحركات لكي تعمل لدي.

سيأتي ذلك اليوم الذي أعلق فيه الزينات حول قصري احتفاء واحتفالاً بي، وسأختار لمبات الزينات بعناية فائقة، فهي لمباتي التي أعدتها إلى الحياة، وقتها فقط يمكنني أن أتوجه لأرى وأرعى ذلك الضوء الذي سوف يسطع من لمبات طفلتي، وقتها فقط أستطيع رعاية زينات قصرها الخاص، ولن أسمح بأن يحرق أحد ضوء لمباتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.