المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي ساري كايا Headshot

على الولايات المتحدة أن تثبت تضامنها مع تركيا من خلال تسليم غولن

تم النشر: تم التحديث:

دائماً ما كانت تركيا عضواً بارزاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. وطوال فترة الحرب الباردة شاركت تركيا بشكل كبير في الحفاظ على أمن الغرب وازدهاره بوقوفها حصناً منيعاً أمام الشيوعية.

وبنهاية الحرب الباردة ازدادت قيمة وأهمية تركيا لدى الغرب، إذ إنها بمثابة جزيرة الاستقرار وسط بحر غير مستقرة في ظل ظروف جيرانها، كما حمت أعتاب أوروبا سواء كان من جهة البلقان أو البحر الأبيض المتوسط.

ولم تتخلَ تركيا عن مسؤولياتها أبداً، وتحملت نصيبها من عبء البلقان والشرق الأوساط والقوقاز وإفريقيا. وفي تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية الحالية، أصبحت طبيعة التهديدات الإرهابية أكثر شدة، وأصبح الإرهاب مسيطراً على الساحة الدولية، إلا أن تركيا وقفت بثبات بجانب حلفائها.

وسريعاً ما أظهرت تركيا تضامنها مع الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية المروعة. وعززت التهديدات المشتركة، والقيم المتشابهة، وإيمان الدولتين بعالم من أفضل، من قوة التحالف الأميركي-التركي الدائم.

ولإعطاء صورة كاملة، وفي أول زيارة رسمية له في تركيا عام 2009، وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما تركيا بأنها "قوية، نابضة، علمانية، وديقراطية". كل كلمة من كلمات هذا الوصف كانت صحيحة في ذلك الوقت، ومازالت كذلك حتى الآن، إلا أن تلك القيم الأربع كانت في خطر في ليلة 15 يوليو/تموز الماضي.

كانت محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذتها منظمة غولن الإرهابية تهدف لتدمير الديمقراطية التركية، ومبادئ العلمانية، والحراك المجتمعي. وتغلبت شجاعة وصمود الشعب التركي على محاولة الانقلاب العسكري الإرهابية التي دُبِرت جيداً والتي نُفِذت بوحشية.

وكانت قيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عاملاً حاسماً في هزيمة الانقلاب، وهو ما جعل الشعب التركي من جميع الأطياف السياسي يحتشدون حوله كأول رئيس تركي شعبي منتخب ديمقراطياً. في هذه الليلة وفي وقت المحنة، انتظرت تركيا دعم وتضامن حلفائها، ولكن دون جدوى. الشعور السائد داخل المجتمع التركي هو أن رسائل الدعم من الغرب أتت فقط عندما أصبح من الواضح أن تلك المحاولة البشعة كانت في طريقها إلى الفشل.

وفي ظل استنادها إلى القيم المشتركة بين البلدين، لا تقتصر العلاقات التركية الأميركية على نخب بعينها، إذ تمتاز تلك العلاقة بجانب اجتماعي يجب الحفاظ عليه. وبالنظر إلى حقيقة أنه قد مضى شهر كامل على محاولة الانقلاب بينما لم تستقبل تركيا أي رئيس دولة حتى الآن، فذلك لا يساعد قضية التحالف التركي الأميركي أو الملكية الاجتماعية لتلك العلاقة.

يجب أن يُعكس هذا التصور الحالي، وأن يعود التحالف التركي-الأميركي مرة أخرى ليوضع على أساس صلب. وحتى يحدث ذلك، يجب على أصدقائنا في الولايات المتحدة فهم ما مررنا به وحجم الإرهاب الذي نواجهه. تعرض البرلمان التركي والمجمع الرئاسي ومقرات المخابرات للقصف من جانب منظمة غولن الإرهابية. ولوضع الأمور في نصابها، إذا أردنا تشبيه ما حدث في تركيا بشيء مماثل في الولايات المتحدة فسيكون كالتالي: عناصر مارقة تتحرك داخل الدولة وتركز بشكل خاص على تفجير الكونغرس، والبيت الأبيض، ومقرات وكالة الاستخبارات المركزية، ومقرات القوات الخاصة، وأن هؤلاء قتلوا أكثر من 240 شخصاً، وأصابوا أكثر من 2000 آخرين بناءً على تعليمات وردت من زعيم منظمة إرهابية يعيش خارج البلاد.

ما تريده تركيا هو أن تفعل نفس ما كانت لتفعله الولايات المتحدة في ظل تلك الظروف، وهو تحقيق العدالة. ويقتضي تحقيق تلك العدالة، وظروف التحالف بين تركيا والولايات المتحدة، أن تقوم حكومة الولايات المتحدة بتسليم قائد محاولة الانقلاب فتح الله غولن، والمقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية، كما يجب على الولايات المتحدة إدراك الصدمة والحالة النفسية السياسية للشعب التركي في أعقاب المحاولة الانقلابية الدموية.

وفي هذا الصدد، وعلى الرغم من تأخرها، تمثل زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تركيا فرصة لإصلاح وإعادة تنشيط العلاقات بين البلدين. وترى الولايات المتحدة أن قضية تسليم غولن هي إحدى المشاكل المتعددة التي تشوب العلاقات التركية-الأميركية. وفي هذا السياق، فمثل هذه الرؤية تقليل للغاية من شأن أهمية هذه القضية بالنسبة لتركيا، إذ إن قضية تسليم غولن أصبحت القضية الأكثر خطورة على العلاقات بين البلدين. ويجب أن لا نسمح بترك زعيم منظمة إرهابية يعبث بمستقبل العلاقات. ومع التطلعات بعلاقة مستقبلية تقوم على القيم المشتركة، يجب أن تصمد العلاقات التركية-الأميركية من هذه العاصفة من خلال تسليم الولايات المتحدة لقائد المحاولة الانقلابية إلى تركيا ليقف أمام العدالة.

نحن نعيش في عالم مضطرب وفي منطقة أكثر اضطراباً، إذ تمر منطقة الشرق الأوسط حالياً بتحول تاريخي تنهار فيه دولة تلو الأخرى. البحر الأبيض المتوسط هو مصدر الفرصة الجديدة وكذلك التهديدات على حد سواء. الإرهاب الداخلي والعابر للحدود، الإتجار بالبشر والمخدرات، أصبحت أمور متكررة يومياً. حربنا ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) والمنظمات الإرهابية ذات الفكر المشابه يجب أن تكون حرباً قوية ومستمرة. وعلاوة على ذلك، فنحن لم نعد في عالم أحادي أو ثنائي القطب، بل هو عالم متعدد الأقطاب.

تظهر مراكز جديدة للقوى، بعضها لديها ما لدينا من قيم، والبعض الآخر يختلف. وفي ضوء هذه الخلفية، كان الدافع والضرورة نحو هذا التحالف المصيري أكبر من أي وقت مضى. وبصفتي رئيس مجموعة الصداقة الأميركية-التركية في البرلمان التركي، فبإمكاني التأكيد بأننا ملتزمون تجاه هذا التحالف، ولكنه ليس التزاماً دون تمحيص أو دون شروط، إذ يتطلف ذلك التحالف التضامن وتحمل المسؤولية. وسوف يثبت تسليم زعيم هذه المنظمة الإرهابية إلى تركيا أن التزام الولايات المتحدة تجاه التحالف مع تركيا يقوم على قاعدة متينة، وهو ما ينتظره المجتمع التركي والطبقة السياسية بشدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.