المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Ihsen Alouani Headshot

بن قردان: إنكسار داعش على أسوار ستالينڨراد الثورة التونسية

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن لدى المتابعين لمجرى التطورات على ضفتنا الشرقية شكٌّ من أن محاولة الهجوم على إحدى نقاطنا الحدودية مسألة وقت فقط. أما المهم بعد أحداث بن قردان هو نتيجتها: تكسرت قرون الدواعش على صخرة إرادة شعبٍ ثائر. فمن الضروري بعد هذا المنعطف الخطير أن نقف وقفة تأمل فيما حدث، وأوجه النجاح ووسائل تدعيمه، وموطن التقصير وسبل تلافيه.

نجحنا حيث فشل غيرنا.. لماذا؟

أعتقد أن نجاح تونس في كسر الإرهاب متصلٌ مباشرةً بمدى نجاح ثورتها وتحقيق أهدافها: كل خطوة في تحقيق الكرامة للمواطن (اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا)، وضمان الحريات العامة والفردية، هو خطوة تزيد حصانة الشعوب ضد الإرهاب والتطرف. كذا على المدى البعيد أيضاً، فإن القضاء الجذري والنهائي عن هذه النزعات المتطرفة العنيفة لا تكون إلا بنجاح شعوب المنطقة مجتمعة في تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية تحقق لها تحررها واستقلالها الحقيقي.

ثورة الحرية.. المضاد الحيوي للأصوليات بمختلف أنواعها:
لا شك أن فهم حقيقة الميكانيزمات المنتجة لهذه الظواهر العنيفة والوقوف على أرضية سرديتها هو مهم أهمية تشخيص المرض في الطب. فالمتناول لهذا الشأن لا بد أن يضعه في سياقه الفكري المتأثر بالتغيرات المتسارعة والإستراتيجية الحاصلة في السنوات القليلة الماضية: نجاح الثورات (في طورها الأول، أي في إسقاط الأنظمة) كانت صدمة وجودية للتنظيرات السلفية بتوجهاتها المختلفة. فالمجموعات التي كانت تنظر للعنف كسبيل وحيد للإطاحة بالأنظمة وجدت نفسها خارج السياق وظهرت نظرية "الوقوف على الربوة" التي تعكس المأزق الفكري والعجز عن التعامل مع الواقع المتسارع ثم سرعان ما تحولت إلى العنف المجنون على طريقة داعش بتواجد مناخات مساعدة خاصة في سورية والعراق. لذلك فإنه ليس بإمكان داعش أن تحقق تقدماً على الأرض إلا في إحدى الحالتين:

1) إما سلطة دكتاتورية قائمة على القهر إلى درجة تجعل الناس يرضون بأي بديل مهما كان سيئاً، المهم أن يخرجوا من جحيم السلطة القائمة (مثال: السلطة العراقية الطائفية كسبب عميق لتواجد داعش).

2) وإما حالة إضطراب سياسي حاد، أو "لا-سلطة"، أي فراغ تام للسلطة على أرض الواقع ( بعض المناطق في الحالة السورية مثلاً، أو بعض المناطق في الحالة الليبية).

بالعودة إلى بن قردان، أراد الدواعش استنساخ سيناريو الرقة، الموصل، سرت.. وغيرها من المدن على الطريقة الاستعراضية، لكنهم واجهوا واقعاً بحسابات مختلفة التحم فيه الأهالي في نفس خندق القوات المسلحة: فالشعب الذي أسقط أحد أعتى الدكتاتوريين في المنطقة لن يسلّم رقبته إلى مصابين بالميغالومنيا تحت أي شعار.

لذلك فمن المهم الإشارة إلى أن الشرط الضروري لإمكانية نجاح مخطط داعش في تونس هو إحداث الفوضى وصنع التوحش (مثلما كان الوضع في العراق وسوريا ومصر) للتمكن بعدئذ من إدارته. واقعيًّا يتمثل ذلك في حالة قطيعة عميقة بين السلطة والشعب.. وهذا، غير ممكن طالما تواصل التقدم بالبلاد نحو نظام سياسي كافل للحريات، ونسق اقتصادي ضامن للكرامة.

من جهة أخرى، فإن التفاف أهالي بن قردان حول الجيش والأمن في الذود عن حياض تونس الجنوبية يمثل ردًّا قويًّا على بعض السياسيين حين صنفوا أهل الجنوب "خارج السياق الوطني" بسبب خياراتهم السياسية في الانتخابات الأخيرة.

لذلك، فأنا لست قلقاً أبداً على تونس من داعش، لأنها فاشلة لا محالة، أنا قلق من حلفائها الموضوعيين: كل من يبث البلبلة في الجبهة الداخلية، كل مستثمر في الدماء، كل معتدٍ على كرامة الشعب، كل دافعٍ لليأس ناشرٍ للكراهية.. وهؤلاء كثر للأسف.

خطيئة النخب المتكررة:
عرف طيف واسع من "النخبة" التونسية برجعية مواقفه ومراكمة التجديف عكس مصالح الشعب.. الذي كثيراً ما تجاوزهم في تمثله وفهمه للسياقات واقتناصه للحظات التاريخية منذ 17 ديسمبر/كانون الأول إلى اليوم. هذه المجموعة من الكتاب والإعلاميين، ما زالت وفية لعهدها في التحاليل الركيكة، والدعاوى الاستئصالية المتطرفة.

هؤلاء هم الحلفاء الموضوعيون للإرهاب، وغلبة هَوَسِهُمُ الأيديولوجي يدفعهم لإضعاف الجبهة الداخلية والتبشير بنفس التحاليل "الأبوكاليبتية" الخاوية المحتوى.

وهم بهذا ليسوا سوى أبواق بروباغندا لداعش من حيث علموا أم لم يعلموا وأي مقاربة منفصلة عن الواقع تسعى لإسقاط تحليلات تسطيحية هي خدمة إعلامية مجانية لداعش.

نجاح ليبيا في لم شملها هي مسألة أمن قومي تونسي

في النهاية، من المهم موضعة الأحداث في سياقها الجغرافي، إذ لا يخطئ ذو بصيرة تمثل حقيقة أن المعركة الرئيسية تدار في ليبيا أساساً، وأن العمليات الإرهابية المنفردة في المدن، أو في شكل عصابات الجبال لا تؤتي إلا نتائج هامشية وتزيد نفور الناس من هذه الجماعات وتضيق عليها الخناق. في المقابل فإن نجاح ليبيا في المرور إلى حياة سياسية مستقرة على أثر الحوار بين أبنائها وتياراتها.. سيكون خدمةً تاريخية لتونس وللمنطقة، لأن معركة الانتهاء من صداع داعش تكون بذلك محسومةً سلفاً..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.