المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبيدة عامر Headshot

حب الأوطان ليس من الإيمان

تم النشر: تم التحديث:

"بلاد العرب أوطاني"؛ هذه الأوطان التي "حبها من الإيمان"، والتي سنكتب "اسمها عالشمس اللي ما بتغيب، لا مالي ولا ولادي، على حبك ما في حبيب"..

هذا ما عرفناه منذ ولدنا، وإن خارج أوطاننا، ونشأنا عليه، مع عنت العيش بها وذلنا وخوفنا فيها، حتى موتنا - وإن كان في المنافي والاغتراب، وبكثير من الأحيان على يد أوطاننا نفسها، لا لأجلها - !

ففي الوقت الذي يقول به الأمير أحمد شوقي: وطني لو شغلت بالخلد عنه .. نازعتني إليه بالخلد نفسي؛ نجد المنفي مظفر النواب، يقول: هذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر، سجان يمسك سجان؛ وهناك الكثير من المقارنات ما بين حب الوطن، وهجاءه، في حالة أقرب للتناقض ما بين الحلم الجميل والواقع المرير، وأشبه بالحنين الزائف لأمكنة وأزمنة غير متحققة، وأكثر تمثلا على شكل شعارات نرددها دون وعي، سوى أننا اعتدنا عليها.

لكن، ماذا إن كان حب الأوطان ليس من الإيمان؟ وأن الأمر أكثر بساطة وتعقيدا من ذلك؟ وأننا فعلا نحب "ذاتا" حتى الخلد والموت لأجلها، لكنه ليس "الوطن"؟ وأن الأمر ليس مجرد أزمة نفسية ناتجة عن حالة من الترديد اللاواعي لشعارات جمعية، بل هو مرتبط بأزمة معرفية ولغوية من ناحية، واجتماعية وسياسية من الناحية الأخرى؟

ما هو "الوطن"؟
ما نقصده بالوطن هو: المكان الذي يرتبط به مجموعة من الناس ضمن تقاطع وسمات مشتركة خاصة بهذا المكان دون غيره، إلا أن لفظة الوطن - التي لا تملك رديفا واضحا بالإنجليزية - تتقاطع مع كلمات أخرى في هذا السياق كـ "البلد Country"، و"السكن Homeland"، و"الأرض Land"، من ناحية، و"الدولة State".

عند الرجوع التاريخي لظهور لفظة الوطن، واستخدامها بهذا الاصطلاح، نجد أنها لفظة "حديثة" و"حداثية"؛ فهي حديثة لكونها غير شائعة الاستخدام لوصف المقصود بها تاريخيا، إذ كان المستخدم هو "البلد" و"السكن"، وهو ما استخدمه الرسول عليه الصلاة والسلام لوصفه مكة بقوله "إنك أحب بلاد الله إلي، وأحب أرض الله إلي"، كما أنها "حداثية" لكونها ظهرت مع الدول الحديثة، وفترة ما بعد الاستعمار ((Colonialism، إذ أنها - بتقديري - كانت التعبير النقيض لحالة الاستعمار برد الأرض لسكانها الأصليين، أي أنها - بالمعنى اللغوي العربي المحض - الوطن (Colony) الأصلي لسكانه، مقابل الاستيطان (Colonization) الذي يقوم به المحتلون "المستوطنون"، مما أدى لاستدخال اللفظ واستخدامه على نطاق أوسع، ومن ثم أدى لتقاطعه مع لفظة "الدولة" التي ظهرت مع التحرر وتشكل الدول الحديثة في العالم العربي.

لفظة الوطن هي حالة انتقالية بين مرحلتين، جمعت كل التعبيرات المرتبطة بعلاقة الإنسان بالأرض، قبلها، وبعدها، فأصبحت تعبر عن كلمة "البلد" التي تحمل الارتباط الجماعي لأشخاص نحو أرض ما، و"السكن" التي تعبر عن الارتباط الشخصي للإنسان بأرض دون غيرها، و"الأرض" موضوعيا وبمعنى محض، وأخيرا "الدولة"، الأرض السياسية الواقعية التي توفر التعبير السياسي الشخصي والجماعي ضمن حدود جغرافية محددة، متمثل بشكل مادي كامل بجواز السفر والجنسيات، دون أي مشاعر نحو الدولة المحضة - لكونها كائنا عقلانيا ماديا بالكامل لا يعرف المشاعر -، وهذا ما يفسر إمكانية الحصول على جنسية بلد إن توافرت شروط ذلك، مع إمكانية الانتماء والارتباط وحب أرض أخرى مثلا.

فهل حين أقول أنني سوري - مثلا - فهذا مرتبط بميلادي هناك - وأنا لم أولد - فصارت بلدي؟، أم مرتبط بكوني أحب تلك الأرض لكونها سكنا وأرضا؟ أم لأنني أحمل جواز سفر - ورثته عن والدي -؟ ولأي منهم أنا مستعد للموت؟

بلد/ وطنـ / أرضـ / سكنـ "ـي"
ومع أن أكثر ما يرتبط بالذهن بمعنى الوطن هو "الدولة"، إلا أن ما يعنيني بوطني (أو بلدي أو أرضي أو سكني) هو ياء الملكية التي لي في نهايته: ذكرياتي به وأحلامي له، وحاجتي وانتمائي الحنيني والفطري لأرض دون غيرها، إذ لا يمكن العيش دون هذا الانتماء الفطري الذي وضعه الله في الإنسان، فلا يمكن أن يأمره باستخلاف شيء دون أن يمنحه ما يربطه به من داخله، وهذا ما تسعى التنظيمات المتجاوزة للهويات الشخصية، مثل داعش، لتحطيمه وبناء أيديولوجياتها عليه، فلا تشعر بحاجة أو انتماء لمدينة مثل الموصل، مثلا، التي دمرت مقاماتها ذات القيمة المدنية الهوياتية، لا الدينية العقدية.

هذا الانتماء هو اختيار شخصي صرف، مرتبط بكل شخص على حدة، وبشكل شخصي وعميق، قد يكون بأحد شكلين: انتماءا ذاتيا؛ بكونها أرضا بها تربيت ونشأت وأعرفها وأشبهها وأرتاح بها، أم موضوعيا؛ لكونها أرضا وبلدا أحبها دون غيرها - وإن لم أسكنها -، في مدن كونية متجاوزة للهويات المحلية والصغيرة، كدمشق والقدس والقاهرة وإسطنبول، مثلا.

أما الدولة، والانتماء للدولة، والحصول على جواز سفر فهو أمر منفصل لا علاقة له بذلك، إذ أنه أشبه بالتخرج من الثانوية العامة ضمن معطيات معينة (كالعمل لمدة معينة مثلا أو الزواج أو أو)، والدراسة في تخصص يتوافق مع هذه القدرات، ويلبي الحاجات والرغبات، بهذه البساطة.

أنا والوطن والقضية: نموت ويحيا الوطن؟
إذا متنا جميعا، فلمن يبقى الوطن؟ أو ماذا يبقى من الوطن، سوى التراب والحجارة؟ ولعل هذا ما استفسر عنه بشكل أوضح أحمد مطر، المنفي والمجروح من الوطن كذلك، بقصيدته "يسقط الوطن".

إن الوطن في النهاية، بشكله المجرد، هو مجموعة من الحجارة والأرض والحدود، ولا تستحق الموت والحياة بذاتها، أما ما يمنحه المعنى والجوهر - ويستحق الموت لأجله - فهو الناس الذين يسكنون به، وعلاقتي الإنسانية - الشخصية - بمن يسكنه، وهذا ما يعطي "القضية" - أي قضية يعاني بها إنسان - معناها، ويمنحها بعدا أخلاقيا مطلقا مرتبطا بأمر الله برفع الظلم، وتقديس الإنسان.

هذه العلاقة المعكوسة عما اعتدنا عليه، تشكل وعيا مختلفا حول علاقتنا وارتباطنا بالقضايا والأراضي والناس، فحين نربط القضية بالإنسان - ومنه إلى الله -، يتوفر لدينا بوصلة أخلاقية - لا مادية سياسة -واضحة نحو بقية القضايا، أي أن فلسطين هي قضيتي ليس لأنها أرض محتلة مقدسة، وحسب؛ بل لأن الفلسطينيين مظلومين وذو أرض محتلة، وسوريا هي قضيتي لأن السوريين يقتلون كل يوم بكل الأشكال الممكنة، وكل قتلتهم مجرمون وأعداء، وأولهم حزب الله، وإن كان يدعي أنه يحرر "أرض" فلسطين، فهو يقتل "الناس" السوريين، أي جوهر ومعنى أي قضية ووطن.

أما علاقتي وارتباطي بـ"قضية" دون أخرى، واستعدادي للحياة والموت لأجلها، فهو خيار شخصي - كما هو الوطن -، مرتبط بظروفي الشخصية وقدرتي على خدمة هذه القضية أكثر من غيرها لمعرفتي تفاصيلها الظرفية، الزمانية والمكانية، - سواء أكان ذلك لكوني من ذلك الوطن الذي يعاني، أم لحبي له -، من ناحية، واختياري المجال الأفضل الذي أتقنه أكثر من غيري، لأكون كحلقة في سلسلة أكبر، ضمن انتمائي وهويتي كمسلم وعربي، من القضايا التي يقوم بها غيري، ويعرفون بها أكثر مني، في توزيع للمهمات لأفراد الأمة ومشاريعها بحسب أماكن تواجدهم، ضمن وطن كبير جريح من الأوطان المسلوبة النازفة، والقضايا الكثيرة في هذا الواقع المحموم الجريح الدام، الذي حيث ما لمسته توجّع.

باختصار، حب الأوطان، أرضا وحدودا، ليس من الإيمان، لكن حب الله والناس والعمل والحياة والموت لأجلهم، هو جوهر الإيمان.