المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبيده محمد فخر الدين Headshot

ستالين والدجاجة.. قصة شعب يلهث وراء الديكتاتور لسدِّ رمقه

تم النشر: تم التحديث:

قرَّر ستالين في إحدى المناسبات أن يلقِّن أعوانَه درساً في الديكتاتورية والحنكة السياسية، فطلب دجاجة حية، وأمسك بها بقوة، وبدأ ينتف ريشها بيده الأخرى، رغم أن الدجاجة حاولت التحرك بقوة لتُخلِّص نفسها من هذا العذاب، لكن دون جدوى، نتف ستالين ريشها بالكامل، وقال لأصدقائه: "الآن ترقبوا ماذا سيحصل".

وضع ستالين الدجاجة على الأرض، وابتعد عنها وبيده قليل من الشعير، فوجئ الجميع وهم يرون الدجاجة المرعوبة تركض نحوه وتتعلق ببنطاله، فرمى لها شيئاً من الطعام بيده، وابتعد، وبدأ يتنقل في أرجاء الغرفة والدجاجة تتبعه أينما ذهب، عندها التفت ستالين إلى رفاقه المذهولين، وقال بهدوء لأعوانه "هكذا يمكنكم أن تحكموا الشعب، أرأيتم كيف تلحقني هذه الدجاجة رغم ما سبَّبته لها من ألم.

درس مهم قدَّمه ستالين لأعوانه وللعديد من الحكام الديكتاتورين من بعده، "انتف ريشها وانثر لها الشعير ستلحق بك"، هذه القاعدة التي تربَّى عليها العديد من الزعماء والقادة حول العالم، الذين أصبحوا يطبقونها بحذافيرها، دون أي غلطة، فما أسهل أن تكون على رأس السلطة وتبدأ بالتجويع، لترى جموع الجماهير تهتف باسمك، ليس حباً فيك أو تقديساً لمقامك العالي، بل لأنهم يبحثون عن لقمة عيشهم التي تقوتهم في يومهم.

يبدو أن الزعماء بما فيهم بعض زعماء العرب، قد استفادوا من تجربة ستالين، فأصبح الفالح منهم من يجوع شعبه كي يركض وراءه ويبايعه على السراء والضراء، فالدجاجة، أقصد الشعب، منتوف الريش لا يملك قوت يومه، يريد أن يأكل ويشرب دون أن يفكر. فالتفكير هو العدو الأول للديكتاتور، إذ إنه يعلم جيداً أنه إذا شبعت الدجاجة ستبدأ تخبط وتلبط، ويعلو صوتها وتصبح مصدر إزعاج، وهنا يأتي الدور على ذبحها!

وشاءت الأقدار لهذه الدجاجة أن تنتفض وأن تثور على واقعها، فما كان إلا لصاحب عربة الخضر محمد البوعزيزي أن يضرم النار في نفسه في يوم الجمعة 17-12-2010، معلناً بداية ثورات الجياع على الحكام، حيث ثارت تونس بالكامل على زين العابدين بن علي، لتطيح بحقبة ديكتاتورية امتدت أكثر من 23 عاماً، وتحولت بعدها الشعوب من دجاجات طالبين الطعام والشراب إلى بشر يؤمنون ويقدسون الحرية والعيش بكرامة.

أما في سوريا، البلد الذي يقبع في مؤخرة الدول من حيث الأمان، بين 163 دولة، فالوضع من سيئ إلى أسوأ، الشعب هنا نسي السياسة والحرب والأمن وكل ما يتعلق بهذه الحرب، وأصبح همه الوحيد هو الجهاد في سبيل الحصول على الطعام والشراب، حيث ذكر مركز أبحاث "مداد" أن نسبة الفقر في سوريا تصل إلى 67%. فالدولار تضاعف سعر صرفه عشر مرات منذ 2010 إلى الآن، والهوة بين الدخل المصروف في ازدياد مخيف، حيث تشير الإحصاءات الرسمية في 19-3-2017 إلى حاجة الأسرة السورية شهرياً إلى 290 ألف ليرة سورية، في حين أفضل دخل يصل إلى 49 ألف ليرة سورية فقط!

وبعد أن ذاق السوريون مرار الحرب ها هم يرجعون إلى سابق عهدهم، ينحتون في الصخر من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية، فأصبح المعلم يعمل بائعاً للخضراوات بعد الظهر، والطبيب يجلس في سوبر ماركت، والمهندس يعمل نادلاً في مقاهي دمشق، كل هذا بسبب كابوس الغلاء الذي قصم ظهر الشعب، فكلهم سئموا السياسة وأخبارها وأصبحوا متحدين على المثل الذي يقول "نريد سلتنا دون عنب"، والمقصود هنا أنهم يريدون أن يأكلوا ويشربوا فقط، مؤسف حال الدجاجة السورية التي ما لبثت أن تنتفض على واقعها حتى عادت إلى سابق عهدها، لأن هناك من برع في تجويعها لتبقى راضخة ومطيعة وتنظر إلى من يقدم لها الشعير على أنه بطل!

وفي مصر، من الواضح أن دم شهداء ثورة 25 يناير ذهب هدراً، بعد أن عادت الدجاجة لسابق عهدها، وأصبحت تبحث عن قوت اليوم، في ظل حكم عسكري ديكتاتوري أتقن سياسة التجويع، السيسي الذي احتار كيف يضغط على شعبه بدأ من تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، فالدولار أمام الجنيه قبل التعويم كان بـ8 جنيهات، في حين وصل بعده إلى قرابة 18 جنيهاً.

بالإضافة إلى رفع أسعار السلع الأساسية كالسكر الذي تضاعف سعره خلال أقل من عام، والأرز والزيت وكل السلع الأساسية، في ظل دخل شبه منعدم، كما رفعت الحكومة تذكرة المترو في مصر، ورغم هذا نجد الإعلام الحكومي كالدجاج، يطبل لقائد أبله لا يصلح أن يكون سمكرياً، وليس قائداً لدولة عظمى كمصر.

وكل هذا بكفَّة وما طلبه السيسي من شعبه بضرورة التبرع لصالح مصر بكفة أخرى، بما يعرف بـ"صبَّح على مصر بجنيه"، وأسلوب الشحاذة الذي اتَّبعه في سحب النقود من جيوب المصريين، حيث قال بكل تبجُّح مطالباً المصريين بضرورة ترك الفكة في المعاملات الحكومية: "لو سمحتوا أنا عاوز الفكة دي".

وهنا يمكن القول إن السلطات الديكتاتورية مارست السادية على شعوبها، إذ إنها فرضت عليهم أن يبايعوا ويهللوا ويهتفوا كي لا يناموا جيّاعاً، وهي مَن استغلت حاجتهم وغريزتهم من أجل أن تستمتع بهتافهم لاسمها، والتعظيم والتمجيد المبني على الخداع والنفاق، ورغم أن القائد المبجل يعلم أن هذا كله نفاق، إلا أن نرجسيته تجعل ضحكته لوراء أذنيه عندما يرى الشعب الفقير يدَّعي أنه يحبه.

لذلك نجد أن الحاكم الديكتاتور في أي بقعة من العالم يعتمد على سياسة التجويع، التي أثبتت أنها الأنجع، والنجاعة هنا تكمن بإرضاء الغرائز السلطوية عند هذا القائد، والهتاف لاسمه صبحاً وظهراً وعشياً، وكل هذا من أجل ماذا؟ فقط من أجل أن تحصل الدجاجة على بعض الشعير الذي يضمن لها البقاء على قيد الحياة.

ما أكثر الدجاج.. وما أكثر الديكتاتوريين.. وما أقل الشعير!.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.