المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أُبي سكر Headshot

أين صوت الشمس؟

تم النشر: تم التحديث:

تمتلئ المواقع والمدونات التقنية والفنية - العربية منها والإنجليزية - بقصص ونوادر وكاريكاتيرات حول معاناة مصممي الغرافيك مع زبائنهم، والأمثلة على ذلك كثيرة.

فهذا يُحضِر كلبه لأنه يثق بإحساسه كلما هزَّ ذيله، وبالتالي يحكم على جودة التصميم من "بوبي" الفنان، وذاك يثق برأي حبيبته، فقد كانت مصممة مجلة الحائط في مدرستها، أما الأخير فلديه حس المبادرة إلى درجة أنه يقوم بعمل التعديلات اللازمة بنفسه بحسب ما يراه مناسباً، لأنه يمتلك نسخة من برنامج الفوتوشوب، ومن ثم يرسل النسخة المعتمدة للمصمم.

كل هذه المواقف وغيرها تسبب حالة من الذهول لدى المصمم الذي ما يلبث أن يسأل نفسه: هل أنا فعلاً مصمم غرافيك أم أنا مجرد آلة كبيرة (ماوس ضخمة في أفضل الأحوال)؟ تنفذ ما يدور بمخ العميل (إذا افترضنا أن العميل يعرف أساسا ما الذي يريده).

إذا كان هذا حال مصممي الغرافيك فإن مصممي الصوت ليسوا أفضل حالاً، ففي أحد الأيام أُعجب الزبون بالعمل الذي قدمتُه له، ولكنه أحس أنه ينقصه "صوت الشمس"!

استطعتُ خلال ثوانٍ أن أفهم ما الذي يقصده الزبون، وعرفت أنه يشعر بأن المشهد فارغ قليلاً، فأضفتُ أصوات أجواء عامة (أصوات سيارات، رياح خفيفية، بعض العصافير).

وفي مرة أخرى أخبرني أحد الزبائن بأنه يريد إضافة "صوت الديناصور"، وعندما قلت له إنني لم أسمع ديناصوراً في حياتي استغرب، واحتد، وأخبرني بأنه نفس صوت الديناصور الذي نسمعه، وبدأ بالتشكيك بي حيث قال: "ألم تشاهد فيلم Jurassic Park من قبل؟".

هذا النقاش كان كفيلاً بأن يدخلني في جدال فلسفي معه حول ماهية صوت الديناصور، وهل هو (الزبون) يعرف أو يتذكر ما هو صوت الديناصور؟ ومتى كانت آخر مرة سمع فيها ديناصوراً؟

ثم انتهى بنا المطاف أن ما يريده أو ما يظن أنه صوت الديناصور هو مما ترسب في ذاكرتنا السمعية من أصوات نسمعها في أفلام هوليوود، وقمت وقتها بشرح كيف يتم تصنيع ذلك الصوت من خلال مزج أصوات حيوانات أخرى تتم معالجتها بطريقة معينة حتى تعطي هذا الصوت.

هذه الأمثلة وغيرها استوقفتني للتفكير في ثقافتنا السمعية وكيف استطاعت هوليوود أن تصنع مرادفاً سمعياً للمشاهد البصرية، وكيف تلازمت هذه الأصوات مع المشاهد حتى ترسخت في أذهان المشاهدين على أنها أصوات حقيقية أو أنها الأصل.

فثقافتنا السمعية كانت وما زالت عندنا نحن العرب - كغيرها من الثقافات - ثقافة استهلاكية، فحتى في مجال تصميم الصوت نقوم باستخدام مكاتب جاهزة للمؤثرات الصوتية التي تم تصنيعها في كبرى شركات الإنتاج، فعلى سبيل المثال: المؤثرات الكرتونية المستعملة في برامجنا المتحركة العربية هي أصوات من أعمال لشركة Disney أو Hanna Barbera أو غيرها من الشركات، وهي تعبر عن حالة صوتية معينة ترتبط بذهننا بصوت وقوع القط توم أو انزلاق الفأر جيري، ولا يمكن تخيلها عند وقوع الفتى صالح في كرتون عربي تم تصنيعه، ولو كان الصوت متزامنا بشكل جيد مع الصورة ووجوده مقنعاً.

ما نحتاجه هو عمل هويات سمعية لأعمالنا التي ننتجها في استديوهاتنا العربية. أعمالا احترافية وجيدة بحيث تدخل عقل المستمع ولاوعيه حتى تصبح صوتا افتراضيا لما يمكن أن يكون صوتا للشمس.. عندها فقط نكون قد صنعنا صوتا للشمس وأقنعنا الناس فيه وأصبح هو المرجع

يبدو أنه حلم بعيد المنال، على الأقل حتى نأكل مما نزرع أو نلبس مما ننتج، حتى ذلك الوقت سنبقى مستهلكين، ولا عتب على مجال صناعة الفن إذا كنا نستورد الشاي والثوب والعقال من بلاد الغرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.