المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورهان السيد عبدالمجيد  Headshot

كيف لامرأة عرجاء أن تسير بقوة؟

تم النشر: تم التحديث:

منذ عدة سنوات بعد وفاة جدي سألت أمي: ما شعورك الآن؟ قالت لي: "أصبحت كالعرجاء التي لا تستطيع السير "، امرأة فقدت زوجها وأمها وأباها، امرأة فقدت الشعور بالأمان فى هذا العالم الموحش، امرأة رأت المحاكم والمجرمين بعد حادثة زوجها فى عمر يقال عنه "ريعان الشباب".

تركنا أبي حينما كنت طفلة، وأختي ما زالت رضيعة وتواكبت مصائب الدنيا على أمي، بعد حادثة أبي تركتنا أمي وذهبت لعالم آخر، عالم الوحدة، لثلاث سنوات، كانت فى عالم غير عالمنا، من الصعب تصديق أن الحلم الجميل الذي كنا فيه أمس أصبح اليوم كابوساً أو واقعاً أكثر وحشة من أمان الأمس، وبدأت معركة الدنيا مع أمي.

عندما نفقد صديقاً نحزن ونقضي ليلنا بكاء وعويلاً عليه، لكن عندما يفقد العاجز العصا الخاصة به الذي يتوكأ عليها لكي يسير، كيف سيكون حاله فى هذا الموقف؟

كلنا ندري أن وجودنا فى هذه الدنيا مؤقت، وأن الدنيا دار الفناء، لا شيء خالد، وكلنا رحاله نذهب هنا وهناك، لكن فى آخر المسار، سواء كان طويلاً أم قصيراً، ستنتهي رحلتنا هنا، عندما نشعر بالسعادة الغامرة لا نفكر فيما الذي ينتظرنا أو الذي سيحل بنا، كل ما فى عقلنا اللحظة الحالية فقط، وهنا لعبت الدنيا بقوانينها تجعلنا نفرح يوماً؛ لكى ننسى أن هذه الدنيا دار فناء ثم تأخذ مننا ما جعلنا نعيش هذه اللحظة المليئة بالسعادة التي جعلتنا ننسى ما مررنا به من ألم كعصا سحرية، ثم فجأة تحيط بنا بالضربات المبرحة من كل جانب.

الأنثى خلقت أنثى مهما وصل متطلبات الفيمنست بالمساواة بالرجال، لكن عندما تضع هذا الضلع الأعوج وسط غابة مليئة بالوحوش المفترسة دون أي استعداد مادي أو نفسي، كيف سيكون الحال؟

الآن نشاهد كثيراً من دراما التلفاز والحياة، من تتوقف حياته من خسارة واحدة وينعى حاله، ويبكي حظه، لكن أمي لم تنعَ حالها بعد كل هذه الخسارات والضربات المبرحة قامت من جديد، وهذه ليست قصة من قصص التنمية البشرية والعالم المثالي، اليوم أرى أمي وبعد هذه السنوات لم تسمح للدنيا بأن تجعلها منهزمة منكسرة، أيقنت بأن العراك لا يزال مستمراً.

والضربات ستأتي مبرحة ولن تتوقف، إذا توقفت يوماً لن تتوقف اليوم التالي، وهكذا حالنا مع الدنيا؛ لأنها لم تكن جنة يوماً لذلك علينا بالاستعداد دوماً، طيلة هذه السنوات رأيت أمي تناجي الله ليلاً ثم تتحرك فى الصباح من أجلنا، أعتقد هذا سلاحها الخفي ضد الدنيا، وأعتقد هذا تطبيقاً حرفياً لجملة "إن كان ربك يرمينا بسهام القدر فتصيبنا، فكيف لي بالنجاة؟ فكانت الإجابة: كن بجوار الرامي تنجو".

لكن اليوم أرى الحب ما زال فى عين أمي لنا امتداداً لحب أبي الذي لم ندركه على مر هذه السنوات، ما زال خاتم أبي فى يدها، ما زالت تنظر لصور أبي وجدي وجدتي بكل حب، لعل الصور تصبرها وتزود يقينها بأن اللقاء سيكون فى دار الحق، هناك سيكون اللقاء الأبدي، من السهل عندما نخسر خسارة واحدة أن نعيش دور الضحية، لكن أمي لم تعِش هذا الدور ولم تتقبله يوماً، أراها اليوم تزداد شغفاً للحياة يوماً بعد يوم حتى أكثر مني، تزداد تعطشاً للعلم والمعرفة، جميعنا خسرتنا الدنيا أشياء كثيرة نحبها، لكن ليس جميعنا من فهم الحكمة وراء كل خسارة، وعرفت قلوبنا الرضا، وهو جنة الدنيا، ومسكن راحة البال، ربما لقصتنا قصص كثيرة مشابهة، وحال بلاد العرب بما تحتويه من أسر أشد عسراً مننا، لكن جميعنا لدينا اليوم هو الوحيد الذي نملكه، والغد لا ندري ما يحمل لنا، فلتترك أثرك في الذي تملكه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.