المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورالدين بازين Headshot

أحلم بالسفر لمراتع البدايات ول "ماكوندو"

تم النشر: تم التحديث:

أحلم بالسفر في الزمن افتراضيا، أحلم بالعيش في نوستالجيا بالعودة إلى أمكنة احتضنتي أو ضيعتني ذات زمن، أحلم بالعودة إلى مراتع الطفولة، حيث تتشكل الصور الأولى للحياة، حيث الشغب والنزق والأمل والعنفوان.

لقد كتبت جزءا من نوستالجيا الطفولة في روايتي "صباح الحزن يا وطني"، لكن مع ذلك أحس أني لم أشف غليل القلب، فلازلت أحلم وأحلم أن أعود في الزمن لأحيا اللحظات بكل تفاصيلها. أية سطوة لذاكرة الطفولة على قلوبنا؟ وأي عقاب يشدنا دائماً إلى البدايات.؟

أحلم بالعودة إلى هناك لأحاول أن أبتعد بذاتي قدر المستطاع، وأعكس ذلك التـميز الجزئي الذي أطـمح إليه في الواقع، لأستمد القوة والصلابة والتماسك كنوع من الاستغلال لضـعف الذوات المحيطة بي مرة، وأميز ذاتي بالضعف مرة أخرى، فأصور البطـل بقولي:"هذا الجسـد الصغيرـ هذه اليد الصغيرة"، وبقلة الوعي بالقول: "فهو لم يكن يعي شيئا"، وكأن هـذا الضعف وقلة الوعي يقويانني ويميزانني، كل ذلك يتم في إطار الحدث الروائي، متجـاهلا في أحيان كثيرة الأحداث كمصدر لوجودية شخصية البطل، فأنا أذكي تلك الرغبة في الاستعلاء عن كل ما يدور، فأضع اللحظة في خط زمني منفصل تماما عن الأحداث، لأنشئ لنفسي لحظتي الخاصة، وزمني الخاص وإحساسي الخاص، فأشكل بذلك نوعا من الاتصال والانفصال كجزء لا يتجزأ من الحدث الروائي، أقوي الاتصال عندما أضعف، أو تهدأ الحـالة النفسية المتسلـطة والأنانية، فأجـمع شتات الذكريات وترتفع وتيرة الأحداث إلى أقصاها، وتقـوى حالـة الانفصال عندما يصعب على الشخصية أن تتفاعل مع محـيطها، وعندمــا تصاب بالإرهاق تسمو بنفســها عن الأحـداث وتــرقى باللحظة إلى درجة الحلم أو العشق أو المتعة، هذا التسامي الذي أتوق اليه، لم يكن هروبا بقدر ما هي استراحة نفسية أعيد من خلالها بناء الذات والتصالح مع الواقع، فأعيد تشكيل حياتي من جديد من خلال سرد أحداث إيجابية كــحديثي عن أمي وقوتها وصلابتها وعطائها اللامتناهي، وحسها الفني العالي، وحديثي عن والدي وتضــحيته وقدرته على عكس شخصية الرجل المثالي والبطولي الذي لا ينهزم أبدا.

لقد قدمـت الرواية كبطل واقعي واع بكــل الظــروف وتعقــيدات الحــيــاة ، وقدمت أيضا ذلك البطل الحالم بواقع آت منتظر، وبين ثنـائية الواقع والحلم ، تظهر البنية الأساسية التي تحـكم الرواية وهي عبارة عن كم لامتـناه من الصراعات الدائمــة التي يمكـن أن تلمس من خلال الخط التعبـيري الذي أعتــمده، فــقد اسـتثمرت مجمـوعة مـن الإيحاءات الـتي تزكي هذا الصراع المفتوح واللانهائي، هذا الصراع الذي يشـكل فـي حقيقته البحث عن الخلاص والانعتـاق من القيـود الراسخة في الذاكـرة وفـي التـاريخ. وربما هذا الصراع أفضى إلى فوضى عاطفية وهذه الأخيرة أسفرت عن نوع من الفوضى التعبيرية، لأني بقيت ملتصقا بتصوري للتاريخ ولم أستطع الانفصال عنه بالشكل الإيجابي الذي يخدم السفر في الرواية، أو أنه لم أستطع أن أخلق مساحة مقننة للحكي تخدم بروزه كحاكي فقط.

أحلام الطفولة لن تكون وحدها التي تأسرني، فهناك أمكنة اخرى طالعتها في رواية، كتبها مؤلفها لنحياها كما هي في واقعهم أو في تخييلهم. ليبقى المكان الروائي الذي يشدني إليه شدا قرية "ماكوندو" بأمريكا الجنوبية للعيش مع غابرييل غارسيا ماركيز. وهي قرية أسطورية، مكان روائي افتراضي، أبدعه خيال ماركيز، الذي استلهم اسم "ماكوندو" من بلدة أراكاتاكا، التي تقع بإقليم ماجدالين، على أرض كولومبيا في أمريكا اللاتينية حيث ولد غارسيا."ما كوندو" مدينة خيالية، لكني، أحلم أن أعيش فيها، برفقة ماركيز لنتجول بين بيوتاتها البسيطة وأتمدد على الشط وأراقب عودة البحارة والغرقى، وأنظر إلى سمائها مليا وأتنفس صفاءها وأعيش على إيقاع أمزجة وأساطير سكانها.

لا صحبة في ذلك المكان، غير المرشد الملهم صانع الحكايا والأساطير، غابرييل غارسيا ماركيز، احلم بأن أمسك بخيط السرد الذي يحركه بين يديه وأجره، ثم ألفه حول يدي ليتسربل سرد آخر من بين يدي تماماً كما يفعل المتعلم مع معلمه الكبير .

أمكنة الطفولة لها سطوتها، ولأمكنة الروايات العالمية سطوة أخرة. والأهم أن نسافر في الحلم كما لو أننا نملأ فراغات تبث وئيدا وئيدا في ذاكرتنا وحياتنا من فعل واقع لا يكون بالضرورة مؤثرا وجذابا لكي نحياه بوافر العشق الذي توفره لنا أحلام الطفولة وأحلام الخيال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.