المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 نورا أنور سوبره Headshot

أتذكرون حقائبنا؟

تم النشر: تم التحديث:

2016-06-26-1466942936-1940556-4e1a6919aa4d1afab34dea4912651a10.jpg

أتذكرون أوّل قطار استقلّلناه في هذه الرّحلة؟ كيف كنّا رغم صِغَرنا محمّلين بحقائب كثيرة لا نقبل أن نتخلّى عنها؟ تُرى كيف وصلنا إلى هذه المحطّة الآن ونحن لا نملك إلّا بعض هذه الحقائب؟

أتذكرون المحطّة الّتي تخلّينا فينا عن إحدى تلك الحقائب الزّرقاء الّتي قرأنا عليها الرّمز "أ-م-ل"؟ أم تُراها كانت محطات عديدة؟ توقّعنا أن يأتي القطار ليقلّنا إلى وجهةٍ اختارناها، لكنّه لم يأتِ فاضطررنا أن نستقلّ غيره ونسينا الحقائب الزرقاء في المحطّة.

وماذا عن حقائبنا الخضراء الّتي قرأنا عليها الرّمز "ث-ق-ة"؟ أتذكرون قصّتها؟ أتركناها في تلك المحطّة الّتي جلسنا فيها ننتظر مَن وَعَدَنا أن يلاقينا، فانتظرناه مطوّلاً دون جدوى، ثمّ قرّرنا أن نترك الحقيبة ونرحل علّه يأتي فيراها ويدرك أنّنا كنّا هنا؟

وجميع الحقائب الحمراء الّتي قرأنا عليها الرّمز "ح-ب"، أتذكرون حين كنّا نجلس في محطّات مختلفة نفتحها ونوزّع من المتاع الّذي فيها على المسافرين معنا؟ أتذكرون كيف أنّها رغم ذلك لم تفرغ يوماً؟ بل أصبحت تحتوي على أمتعة متنوّعة، كلٌّ منها يذكّرنا بمسافر... كنّا دائماً نحملها مع تلك الحقائب البيضاء الصّغيرة "ف-ر-ح"... متى وأين تركناها؟ أيُعقل أن نكون قد تركناها بكلّ ما تحتوي؟ أم أنّ أحدهم سرقها منّا؟ كيف سمحنا له؟ لماذا لم نلاحقه؟!

أوه! نعم تذكّرت... تذكّرت حين رأينا أحدهم يركض متعباً فاستوقفناه وطلبنا منه أن يرتاح... جلس وأخبرنا قصّته، كيف أنّه يلاحق لصّاً سرق إحدى حقائبه الحمراء، يلاحقه منذ أيام دون أن يرتاح! أخبرنا ذلك، ثمّ استدرك أنّه أصلاً يركض بالاتجاه المعاكس لوجهته فبدأ يلوم نفسه على تضييع الوقت والجهد... فعلّمنا بذلك أن نترك اللّص، ونحن بالمقابل ذكّرناه بأنّه لا بدّ أنّه لا يزال يملك حقائب حمراء أخرى! لا بدّ أنّه تركها وهو يركض كي يخفّف من حمله ويسرع... وفي غفلته لم يدرك أنّه تخلّى عن عشر حقائب من أجل حقيبة واحدة!

أتذكرون كيف تبرّع أحدنا بإحدى حقائبه الحمراء لذلك المسافر حتّى يتمكّن من أن يعود أدراجه؟ أتذكرون كيف أنّ المتبرّع وجد إحدى حقائبه الزّرقاء بعد تلك الحادثة، فسار من جديد باحثاً عن القطار الّذي سيقلّه إلى وجهته؟

أتذكرون أيضاً القصّة التي أخبرتنا بها إحدى المسافرات قبل أن تتركنا وترحل؟ دعوني أذكّركم بها... كانت أيضاً ممّن تخلّى عن حقائبه شيئاً فشيئاً... خسرت بعضاً منها لأنّها كانت توزّع ما فيها دون أن تأخذ، أو تنسى أن تغلقها بإحكام وهي تتنقّل من محطّة إلى أخرى... حتّى لم يبقَ معها إلّا ثلاث حقائب، واحدة من كلّ لون، تشاركتها مع أحدهم، لكنّه تركها ورحل، فقرّرت أن تخفّف حملها، ظنّاً منها أنّها لن تحتاج الحقائب بعد اليوم، وأصبحت تسافر وحيدة بلا حقائب، تمشي ورأسها مطرقٌ إلى الأرض، معاهدةً نفسها أن لا تكلّم أحداً...

إلى أن لفت نظرها أحدهم يوماً ما، حَمَلها على الكلام، لكنّها لم تستطِع أن تقنع نفسها بالبقاء معه؛ لأنّها لم تملك ما تهديه إياه مقابل ما أهداها من حقيبتيه الحمراء والخضراء! عاشت صراعاً صعباً قرّرت في نهايته أن تعود إلى المحطة الّتي تخلّت فيها عن آخر حقائبها الثّلاثة، ثمّ عادت تبحث عنه.

أتذكرون كيف أنّنا كلّما تخلّينا عن إحدى الحقائب حصلنا على كيس أسود؟ لم ندرك صعوبة ذلك في البداية، حتّى رأينا أحدهم يسير حاملاً ثلاثاً منهم! قرأنا عليها "ك-ر-ه" و"ي-أ-س" و"ح-ز-ن"... جميعنا كان يملك تلك الأكياس السوداء الصغيرة في حقائبنا، لكنّ أكياسه كانت ضخمة وثقيلة! أشفقنا عليه، ثمّ وجدنا أنفسنا مكانه...

الحياة، يا أصدقائي، رحلتنا، جئنا إليها مجّهزين بمتاع الأمل والثّقة والحبّ والفرح، لكنّنا في محطّات مختلفة، خسرنا تلك الأمتعة، بعضها سُرق منّا، ونسينا بعضها الآخر، لكنّنا تركنا أغلبها بإرادتنا، لأسباب عديدة ومتنوعة...

إلا أنّ الرّحلة لم تنتهِ بعد، فدعونا نَعُد أدراجنا، باحثين عن حقائبنا الملوّنة... دعونا نرمي تلك الأكياس السوداء بعيداً ثمّ ننطلق من جديد نحو وجهتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.