المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور إبراهيم Headshot

الأعظم أن تكون معلماً

تم النشر: تم التحديث:

تصدق يوماً مقولة "التعليم مهنة من لا مهنة له"، فهو حجر الزاوية لكل المجتمعات، وأساس رقيها، فما كان لعصر حمورابي أن يزدهر لولا أنه لم يؤسس بيت الألواح "المدرسة"، فلا يمكن لك أن تبقى شامخاً دون جذور تؤصلك وتدفعك نحو الأعلى.

وعلى ما يبدو فإنها فكرة متأصلة في أعماق أعماقنا، ومنذ ولادتنا، دون أن نعيها تماماً ذات مرة، وأنا أدير درس الفنية لمجموعة من الأطفال لا تتجاوز أعمارهم الثامنة، رسم أحدهم "مصطفى" نخلة كأكثر نبات يحبه، ورسم لها جذوراً وأعطاها ألواناً، وأنا أحاول سائلة لمَ رسمت لها جذوراً فاللوحة لا تحتاج لتفاصيل مادة العلوم؟ ليجيبني متحيراً: وكيف لها أن تقف دون جذور؟ كيف تمسك بالأرض؟ وكيف تتغذى؟

ألسنا نشبه النبات في فكرة صغيرنا؟ فالتعليم جذورنا على أية أرض ننبت وننمو، وماؤها إدراكنا نحن في كل مرة نقلع وننبت من جديد.

أن تختار مهنة التعليم يعني أنك اخترت ربما أصعب مهنة على الإطلاق رغم كل ما يلحق بهذه المهنة من متاعب، فهي رائعة، تعطيك أكثر مما تأخذ منك، تقويك لا تكسرك، وتسمو بك لا تدنو بك، أن تكون معلماً فإنك تحتاج إلى الصبر والحلم معاً، وأن تكون قاضياً عادلاً، تستمع لكل الشكاوى، ومن ثَم لا بد أن تحكم بالعدل، وفي نفس الوقت أن تحتوي ذلك المشاكس الذي أدى بك إلى أن تأخذ مكان القاضي، وأن تكون سنداً له؛ كي يكون بذرة خير في مجتمع يحتاج الكثير بعد كل تلك الأزمات، التي مرت، والتي ستمر في مجتمع كالمجتمع العراقي.

الأمر يتطلب أن نحمل إبريق الأمل دائماً؛ كي نسقي غراسنا فيهم كل يوم، ونعزز أفكارهم الصغيرة التي ما زالت في أول أطوار النمو، فهي تحتاج إلى رعاية خاصة كرعاية الأم لوليدها، تتابعهم، تنصحهم، وتفخر بهم كأنهم أولادك وتحبهم لأنهم كذلك، لا تجزع من العمل في بيئة الصغار فهم أساطير فرح، منابت الأمل، شعاع فجر قد بزغ بعد ظلمة ليل بلا قمر، فهم غرس المستقبل، ومجد الأمة القادم.

نحن اليوم نحتاج إلى معلم يوقد فكراً، ينير درباً واعياً لدوره فرغم كل شيء ما زال المعلم هو محور المعلومة ومصدرها، فصغاره "طلابه" ما زالوا يرونه ذلك العالم الذي لا سقف لعلمه وفهمه، ذلك القدوة الذي يجب أن يكونوا مثله يوماً ما عندما يكبرون.

لا نزال كلنا نتذكر كيف كنا نتقمص دور معلمينا ونزداد تعلقاً بهم وبطريقتهم ربما وحتى كلماتهم التي كثيراً ما كانوا يرددونها، أما الآن فقد حان دورنا، ألم تسمع بأن أيام الدنيا تدور وها هي دارت لتكون في الموقع ذاته؟!

جميل أن تكون لأحدهم ككأس ماء باردة، أو كلقمة لجائع معدته خاوية منذ أيام، أو كملابس العيد لطفل سقط أهله جبراً تحت خط الفقر، لكن الأجمل والأعظم طبعاً أن تكون معلماً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.