المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورالدين أحمد Headshot

أول نصف ساعة تعذيب

تم النشر: تم التحديث:

إنه يوم الجمعة الموافق 28 مارس/آذار 2014، الساعة السادسة والنصف تقريباً بعد صلاة المغرب، كان يجلس على المكتب، وبعد خمس دقائق من دخول نور، هجم ثلاثة رجال من رجال الأمن الوطني وتوغلوا في المتجر، في غمضة عين بدون أن يشعر أحد بهم، وسأل أضخمهم مين فيكم نور؟! رد نور بهدوء: أنا، قال: بطاقتك.. فتشهم كلهم، تم تفتيش كل الشباب الذين يعملون في المتجر، وتفتيش كل مكان في المتجر، والمخازن، وبعد ذلك قال رجل ضخم منهم: انت هتشرف معنا نص ساعة كده يا نور، لم يعلم نور أن هناك نصف ساعة يساوي ثلاث سنوات أو ما يزيد؛ لأنه ما زال يشرفهم حتى الآن منذ تلك الواقعة.

ذهب معهم نور إلى مقر الأمن الوطني، وما أدراك ما هو مقر الأمن الوطني بعد الانقلاب العسكري، لم يتكلم طوال الوقت حتى دخل إلى مكان التحقيق (التعذيب) وهو مغمى العينين مكبل اليدين، جاءه صوت غليظ يقول له بسخرية: أهلاً يا نوووور، لم يستطع نور أن يكتم ضحكاته عندما تذكر مشاهد رجال الأمن الوطني في الأفلام العربية، وما فيها من بلاهة وجهل!

ومن هنا تكون البداية، بداية رحلة العذاب التي يموت فيها اﻵف المرات بدون أن يموت، لن أستطيع أن أشرح لكم كل تفاصيل هذه الرحلة التي يصل فيها المرء إلى قمة الألم النفسي والجسدي، والتي مر بها كل الشباب الذين دخلوا مقرات الأمن الوطني أو السجن العسكري، كل ما أستطيع أن أقوله أنهم ليسوا بشر بل هم أبشع من الحيوانات المفترسة.

حقيقة لا أعلم من أين أبدأ فالحروف والكلمات لن تسعفني إذا أردت التعبير أو التصوير عما يحدث داخل مقرات الأمن الوطني، والسجن الحربي إلا بواحد بالمائة، بل من الممكن أن يكون أقل من ذلك؛ فالآن أغمضوا أعينكم وعيشوا معي مشهداً من رحلة العذاب التي تعتبر من أصعب الدقائق التي تمر في حياة المرء، أو ربما تمضي هذه الدقائق بسنين من العمر، ولكن دعوني قبل الرحلة أن أطمئن بأنكم أغمضتم أعينكم وأضع أنا بنفسي تلك الربطة، لأغمي أعينكم؛ لكي لا تروا شيئاً لأضعكم في نفس الموقف تقريباً، والآن.. ضربة قوية جداً موجهة من بيادة تشبه مطرقة الحداد إلى وجهك، ثم تتبعها الكثير من الضربات في كل جزء من جسدك في آنٍ واحد بدون توقف، حتى يتحول جسدك في هذا المشهد إلى مرمى للسهام الجميع يصوب إليك الضربات الموجعة المتنوعة، سواء كانت باليد أو بالبيادة أو الصاعق الكهربائي أو الشوم المدبب،

ولكن المفجع والمرعب أكثر هو ألا ترى من أين تأتي إليك هذه الضربة، وإلى أين يكون مكان التصويب في جسدك، حتى تستطيع تأهيل نفسك للمكان الذي تصوب إليه الضربة هكذا، تكون قمة الرعب والذعر وأنت مكبل اليدين خلف ظهرك، ومغمى العينين، ويأتيك صوت هادئ بالقرب من أذنك ويطمئنك؛ لتعترف على جرائم لم ترتكبها، أو تعلم عنها شيئاً، وفجأة وبدون أي مقدمات تأتيك ضربة قوية من الاتجاه الآخر كصاعقة من السماء تطيح بك كسيارة تجري على سرعة 120، ثم تصطدم بشخص فيطير إلى أعلى حتى يسقط على بعد أمتار يرتطم بالأرض، وتكسر عظامه أو يفقد الحياة!!

وفي لحظات يخيل له أنه فقد الحياة، ويشعر بوحشة القبر مع الظلام الدامس الذي يحيط به من كل جانب، ويسير في جسده موجات من الرعب تشبه موجات شاطئ البحر المتوسط أو قلعة قايتباي التي تأتي بقوة فتصطدم بالصخور، وتنحت منها، فإن ذهبت إلى هناك يوماً ستعرف مدى قوة هذه الموجات، ووقتها ستدرك كم الرعب الذي نتعرض له، وتأتي الضربات من كل اتجاه، لا يدري أهذا عذاب القبر أم هو الآن يحاسب على كل ذنوب العباد التي لم يقترفها؟!

وللأسف هذا المشهد لا يستمر لدقائق أو ساعات فقط، ولكن يستمر لأيام وأسابيع وشهور تكون بمثابة عمر كامل للمرء، الثواني تمر كأيام والدقائق تمر كالشهور والساعات تمر كالسنين، هكذا يأبى الوقت أن يمضي، وتستمر الأوجاع والصرخات، حتى عندما يتوقف التعذيب لبعض الساعات التي يذهب فيها الضحية إلى الفشخانة ليتداوى من الجروح حتى لا يموت من كثرة التعذيب، فهناك تعليمات بالاحتفاظ بحياة الضحية من التدهور من كثرة أنواع التعذيب، حتى يصلح جسده لاستكمال التعذيب لفترة وجوده في هذا المكان الذي يشبه الجحيم. .

ودائماً ما يحدث نفسه قائلاً متى ينتهي هذا الكابوس الذي يمزق جسدي ونفسي وإيماني و يجعلني ألعن الحياة التي أعيشها آلاف المرات؟ ويدعو الله أن يرتاح من هذا العذاب، وأن يذهب إليه، وفي رحمته؛ وفي هذا المكان ستتعرف علي علم التعذيب، ربما لن تسمع عن ذلك العلم من قبل، ويكون كل ما يقع في خاطرك هو ما كنت تشاهده في الأفلام العربية من مشاهد تعذيب، ولكن هذا غير صحيح أن ما يحدث في الحقيقة هو أبشع بكثير من ما تشاهدون على شاشات التلفاز من تعذيب بوحشية الحيوانات المفترسة بلا رحمة أو إنسانية؛ من المدهش أن يكون للتعذيب علماء وفنانون، تتعرف عليهم وعلى مصطلحاتهم الخاصة لعمليات التعذيب وأدواتهم التي يستخدمونها في الكثير من عمليات التعذيب التي في بعض الأوقات كانت تبوء بالفشل وتموت الضحية أثناء عمليات التعذيب، أو تفقد الوعي من شدة التعذيب،

ثم تعود مرة ثانية من حالة الإغماء؛ لتستمر في رحلة العذاب التي جعلته يشعر بحشرجة الموت في كل ثانية في هذا المكان بدون أن يموت! هكذا مر مئات الشباب الحر علي هذه الرحلة، رحلة العذاب، وهناك من هم على قيد الحياة يملأون السجون، وهناك من هم تحت التراب، وهناك ما لا نعلم أين هم أحياء أم أموات؟! لم يعلم نور أنها ستكون أطول نص ساعة يقضيها فى حياته.

ddss

من رسم المدون المعتقل نور الدين أحمد

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.