المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور أحمد قنديل Headshot

حرب شباشب حول الحجاب

تم النشر: تم التحديث:

أهذا هو تصدُّع الفِكر أم الإيمان أم الإنسانية أم الحوار؟ أظنها حالة تَصدُّع عامة يمتد شَرخها إلى جسد الأمة بأكمله ويجعل القلوب تتآكل شيئاً فشيئاً!

يبدو الشخص مذهولاً حقاً حول هذا التراشُق بالأحذية، اليوم تُلقي بَعض المُحجبات أحذيتهن على غير المُحجبة، وكذلك تُلقي بعض المُنتقبات أحذيتهن على المُختمرات ويطعن بعض المُختمرات في صحة وسلامة الحجاب الذي يَحوي تَشجيرة ومن ترتدي الحجاب ذا التشجيرة تنظر بدونية شديدة لمن ترتدي التربون، ومَن ترتدي التربون تَشعر بنشوة تفوق يشوبها القليل من الكراهية ورُبّما التمني لمَن تتطاير شُعيراتها حول وجهها.

إن كانت حتى حَرباً وكمّاً للبُغض حينما أقول ذلك، ولكن لعلها كانت أكثر وقاراً وتَعقّلاً.. لعلها كانت مناورات ومُبارزات فِكرية في ساحات الطُّهر لتُسفر عن تَغيّر ملموس، تَغيُّر كان دافِعه السَعي الأخويّ مُجرّداً من أمراضِ القلب والانتقاص من الأُخريات للاستزادة من الأنا المُتوهّمة بالأفضلية والترفُّع عن الذنوب.. فالأداة المُستخدمة في الحرب تَنبُع من قيمة الحرب وهدفها.. وها هي "حرب شباشب" للأسف!

تتناثر الأحذية من حولنا في معركة نُعلنها نحن، الغريب أننا نُعلنها على أنفسنا أي نُحارب ذواتنا بذواتنا.. ذواتنا التي هي في الأساس ذات كبيرة واحدة تتجرّد من اختلافات اللون والعِرق والفِكر وتصير مُنصهِرة تحت عقيدة الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو، تداعى له باقي الجسد بالسَّهرِ والحُمى!

تخيّلي يا عزيزتي أنك توجّهين طعنة من يَدِك إلى قلبك أو أن يَدَك تَصفع وجهك وأن كَبِدك ينهش في الكليتين!

بربّك، كيف تُعلَن الحرب من عضو على عضو آخر في جسد واحد؟
بل يتكافل الجسد، يتعاون كل نسيج فيه ليَضمد جُرح أحد الأعضاء، ويُشكّل حواجز دفاعية تمنع عنه تسرُّب أي مرض دَخيل في حالة الضعف!

نحن المُسلمات من المُفترض أن نتعامل بطريقة (أنا نحن) هي طريقة إنسانية جداً ستُخفف من حِدة بَتر الأعضاء الذي نمارسه كل يوم!

نحن أنا.. هي وحدة الوجود والموجودات فترى نفسك في الجميع وترى الجميع في نَفسك ولا أقصدها هنا بمعنى التماهي وفُقدان الشخصية بل أقصد استيعاب تَراحُمنا تحت مظلة نحن والأنا الجماعية التي تُعالِج الأزمة بعَين المُحِب الخائف، وليس المُستعلي على إخوته في الدين!

فتخيّلي معي مثلاً أنك هذه الفتاة التي تَلتصِق ثيابها عليها مُظهِرة أكثر مما تخفي، تخيّلي معي أن حجابك لا يَسِعه أن يُغطي رقبتك، تخيّلي أنكِ تَنفُثين الدخان بصُحبة فتيان ولا تشعري بالحرج، وتخيّلي عزيزتي الأُخرى المؤمنة بكُفر الحجاب والتزاماته أنكِ للحظة مُحجبة تَشعر بنعمة السَتر وليس الحَجب.. فليس بإمكان قطعة قماش أن تُغطي عقلاً إلا لو كان هذا العقل لا يُفكّر إلا بالجسد، عزيزاتي أنتُن الآن غَير، أنتن الآن الأُخريات التي تَشعُرن بالاشمئزاز حَولهن وأعلم أنكن الآن غاضبات.

الآن، على كل واحدة أن تتبّع خَيط غضبها حتى تُمسِك به من بدايته ولتعلم أغضِبَت لصورة ذاتها أم لدينها حقاً وما تعتقد بِه؟

رَحِم الله سيدنا عليّ إذ كان يُقاتل وحينما بصق أحدهم على وجهه ليستفّز غضبه فما كان من عليّ إلّا أن ترك الكافر حينما كاد يَفتك به ويتمكّن منه؛ لأنه للحظة شَعر بأن الأمر أصبح انتقاماً لنفسه وليس قصاصاً للدين!

حاولي أن تتعاملي بمنطق (الأنا نحن) لفترة، فما يكون بعيداً في الأمس يُصبح قريباً غداً، وأن الإيمان والمبادئ لا يتم اختبارها في البيئة السليمة يا عزيزتي بل في أوج البيئة المُنحطة التي لا تُشبهك، وأثناء عَصف الرياح بك تماماً.. يُختبَر هل تثبتين أم تقتلعُكِ الرياح من جذورك طارحة إياكِ أرضاً؟

الله يُحدّث رسوله الكريم "وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً"، يُخبره أن لولا تثبيتنا إليك يا مُحمّد لَكِدت تميل!

فمَن نحن يا هذه؟ مَن نحن لنتشدَّق بثباتنا أو نُخدَع بعقولنا ونظن النجاة؟ أرجوكِ لا تستمدّي قوتك من ضعف الأُخريات، هي ليست ساحة قتالية نتبارز فيها من الأقوى والأفضل إيماناً، فإن الإيمان يا تِلك خَفي في النفوس ولا داعي للاجتهاد في إظهاره.. إنما يُلتمس بلُطف المَعشر وطيب النُصح وحُسن التواجد!

إما أن تُساعدي بحُب وعِلم وحكمة -رَحِمك الله- وإذا لم يَكُن في مقدورك فغَض البصر واجب عن الأمور التي لا يُمكننا المُساعدة فيها!

وإن أطلقتِ النظر فلن تَجدي سِوى جملة صادقة قالتها إحدى الجميلات من قبل: "خلعت حِجابها فظهرت سقطاتنا".
والآن فلنرتدِ الأحذية ونمتحِن أنفُسنا.. والسلام!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.