المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورهان عزت Headshot

يد الحياة الممدودة

تم النشر: تم التحديث:

لا علاقة للعمر بالنضج، نحن نكبر بمرور الناس!
وقائع اليوم كثيراً ما نتساءل: أين هي من أحلامنا قبل 5 أعوام مثلاً؟ وننسى أن كل الأيادي تطال تفاصيل حياتنا.. سوانا أحياناً!

حين يموت شخص عزيز عليك، ينتابك شعور عميق في أيام حداد قلبك عليه لو أنك تلحق به، وحين لا تستطيع أن تفعل، أو أن تكمل حياتك كما كانت سابقاً؛ تظل هذه الرغبة الملعونة تُطاردك أينما حلت الذكرى، وحيثما شعرت بالوحدة والسوء.

حين تمضي الأعوام، وتجد نفسك واقفاً في "زمكانك" الذي فقدته فيه، لو أنه هنا بعد كل تلك الأعوام، هل كان سيظل هذا الثقب يتسع هكذا؟ تفاصيل لم تعد له، رقم هاتف خارج التغطية، يرد عليك صوت غريب لا تدري غير أنه ليس الذي تنتظر، وفراغ!

طفلتي ذات الثمانية أعوام أراها اليوم بعد آخر لقاء لنا منذ عامين، لم تكن من رحمي، لكني لم أفقد يوماً شعور أمومتي فيها، ولو أنني تزوجت باكراً لكان لي من يناديني "ماما" برقّة صوتها. لكن، ما أهمية هذا؟! حين تشعر بأن الموت ديدن روحك، لا يعد يهمك سوى أن تنقذ نفسك ببضعة آمال ضعيفة تزرعها، لا أذكر من تلك المرحلة إلا سوداوية نظرتي للحياة وقتها، لكني كنت أقاوم لأعيش وأتناسى، براءة الأطفال تحيي فيك ما لا يمكن أن تعتقد أنه موجود أصلاً.

حين تشعر بأن الحياة كالذي يركض من بعيد تجاهك، ثم إذا ما مددت يديك لتُسلم اكتشفت أنه جاء ليسلم على من وراءك، وتبقى يداك ممدودتين نحو لا شيء.

لكن هذا لا يهمني كثيراً، ما زلت أفتح نافذتي إلى العالم بدرجة موازية للثقب في روحي؛ كي يتهيأ لمن حولي أنه مجرد نور.

طفلتي ذات الثمانية أعوام تقول لي: "ماما"، وجهها الباسم يخبرني بأن الحداد لا يكفي لتحيا الذكريات، وظلال مَن فقدناهم خلسة على سهوة من حبنا وشوقنا وكل تلك الأشياء التي وددنا لو عشناها معهم، لكن الوقت لم يسعفنا.

بسمة طفلتي تخبرني بأن لا علاقة للعمر بالنضج، نحن نكبر بمرور الناس، وكل هؤلاء الأموات لن يعيشوا في هذا السواد تحت عيوننا ودموعنا التي تنعيهم كل تاريخ.

تخيَّل الغد معهم، تخيَّل لو أن "بكراً" قد أتى وهم هناك، وعِشْه كما كانوا يتمنون، ازرع في كل طريق تمنوا أن يعبروه وردة.
فالدموع المالحة وسط كل هذا الزخم السيئ، كالدموع في البحر، لن تُجدي..!

لم تكن الرغبة في البكاء كافية لكي نبكي، ولا رغبتنا في الصمود كافية لكي نصمد، الرغبة وحدها لا تعني شيئاً، أولئك العالقون في عالم أماني غير محققة يتلاشون من الداخل، هذا الذي لا يتأخر ولا يصل، يفوته كل شيء، ويفوت هو من كل شيء.. أسير اللاشيء أبد الآبدين.

إنك لن تبكي الا حينما يُستفز كل ما فيك، ولن تحاول الصمود إلا حين ترغب كل حواسك في البقاء أكثر دون شعور الانهزام المُر.

تعاستنا تأتي من عجزنا أن نكون كما نريد ونشعر كما نريد..
إنها تعاسة القيود..!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.