المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورهان عزت Headshot

هل نعيش الحب أم نقرأه؟!

تم النشر: تم التحديث:

كثيراً ما كنتُ أقرأ عن قصص المحبين عبر التاريخ والكتب التي سُطرت فيها، وكلها تنتهي نهايات مأساوية بالفراق أو عدم اللقاء حتى الممات.

وهذا يُعطي انطباعاً داخلياً فوضوياً بالرغبة في صنع تجربة خاصة مشابهة في جمال بداياتها، ثم ما يلبث المرء أن يسقط في بؤرة الخوف أو التشاؤم بأن التاريخ عبرة، والعبرة تقول: الحب في الكتب والأساطير فقط، لا نهايات سعيدة!

لكنني ممن يؤمنون بأن اللحظات الجميلة تُعاش ولا تُكتب، وأن التاريخ هو وجهة نظر بحتة، تصيب أو تخطئ، وأن ما ورد لنا عبر الزمان على كثرته لا يعني أنها كل القصص.

في هذا العام خصصت كل اطلاعاتي الأدبية والمعرفية على أمرين: أحدهما كان علم النفس بفروعه، والآخر هو الحب والكراهية وتطورها وأثرها في التاريخ وفي مجريات أمور البشرية.

رغم القصص البائسة التي لا تُعدّ ولا تحصى، والتي يعرفها الصغير قبل الكبير، وإن لم يكن تفصيلاً، فإن التاريخ يثبت أن للحب دوراً إيجابياً، فهناك قصص ناجحة، مشاعر ممتدة في الزمن لم تغيّرها مشاكل حياة أو روتين أو ما دون ذلك، مما يفقد أي مشاعر معناها، لكننا مجتمعات إنسانية تهوى البكاء على الأطلال، تحفزنا المصائب قبل الأفراح، ولا نرى في كل شيء إلا السواد فيه.

مَن يبحث يجد الكثير، وأذكر أشهرها، أمل دنقل وزوجته عبلة الرويني، ورضوى عاشور وزوجها مريد البرغوثي، ومن يبحث يجد ما هو أكثر، سواء على مستوى التاريخ العربي أو الغربي.

الحب يُعاش.. لا يُحكى، إنه أثمن من أن نضيّع لحظات السعادة في تدوينها، الحروف تشوّه لحظات العمر التي لا تتكرر كصورة في الذاكرة.

الكتابة ديدن التعساء، مهنة الحزانى، أولئك الهاربين من واقعهم، الباحثين عن مخرج، عن وهم أبيض يخفف عتمة الوحدة، وتلك اللحظات الفارغة!

هذا تاريخ البشر.. ولادة وزواج وموت، ثم ولادة وزواج وموت، ثم ولادة وزواج وموت.

ولكن في فجر كل عهد من سلسلة أجيال خالية إلا من الولادة والزواج والموت، يظهر في الأرض مجنون ذو فكرة غريبة ويقُصُّ على البشر حلماً رآه في عالم غير هذا العالم وبين بشر أرقى من سكّان هذه الأرض الذين لا يرون في أحلامهم سوى الولادة والزواج والموت.

مهما اختلفت وتباينت الآراء حول ماهية الحب وهل هو البداية أم النهاية؟ أم أنه فكرة يقوم عليها كل شيء مستمرة في الزمن؟ لا يمكنك إلا أن تفهم أن القلب العقل هو سيد كل شيء، وفكرة أن العقل هو الأساس هو وَهْم كبير، العقل لا مناط له إلا بتلك البذرة التي تزرع في القلب؛ لأننا لسنا آلات، ولا ينبغي لنا أن نكون.

ومن خلال الحديث عن الكتب يمكن لنا أن نطلع على أحد الكتب التي تختصر الكثير من المؤلفات وهو كتاب "الفلاسفة والحب" لأود لونسلان وماري لوموانييه وهو متوافر باللغة العربية، الكتاب يحيرك في تصنيفه، فهو لا يمكن أن تقرأه على أنه كتاب فلسفي فقط؛ بل هو من الكتب التي يمكن أن تندرج تحت ما يطلق عليه تاريخ الأفكار، فهو يقدم إطلالة عميقة عن علاقة الحب بالمحيط والبيئات المختلفة التي يعيش فيها من خلال رؤى مجموعة من الفلاسفة؛ ليقدم دراسة عن العلاقة بين الفلاسفة والحب على مدى التاريخ الإنساني الحديث، انطلاقاً من سقراط وفلاسفة اليونان القدامى ووصولاً إلى فلاسفة الوجوديين من جيل سيمون دوبوفوار.

ميزة هذا الكتاب أنه يتناول طائفة واسعة من أشهر الفلاسفة الغربيين من مختلف العصور عبر دمج تجاربهم الشخصية بآرائهم الفكرية حول الحب؛ حيث تكشف المؤلفتان عن قصص حب عاشها الفلاسفة الكبار في العالم، كل بطريقته، رغم كل ما يقال عن تعارض الفلسفة مع الحب، ابتداء من أفلاطون، ولوكريس، ومونتاني، وجان جاك روسو، وإيمانويل كانط، وآرثر شوبنهاور، وسورين كيركجارد، وفريدريك نيتشه، ومارتن هايدجر وحنة أرندت، ،جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار.

من خلال كل تلك الاطلاعات يمكننا أن نصل لملخص بسيط هو أن الحب هو وجهة نظر نحو النفس الإنسانية، ولأنه شيء غير ملموس فلم يتفق عليه أحد؛ لأنه تجربة خالصة من كل المتشابهات، لا تشبه إلا طرفي المعادلة.

من المستحيل أن تقع في الحب وتظل حكيماً في نفس الوقت، فلذلك تأمَّل، واصنع حكمتك بنفسك.. فهذا هو الطريق السوي لحكمك على الأمور، وللحياة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.