المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نُور جمال أبو شمّالة Headshot

ثقافة "الوَسْم".. ثمّ ماذا؟ ثمّ لا شيء

تم النشر: تم التحديث:

التّفاعل اللحظي واختزال قضايا إنسانيّة في "وَسْم" على مواقع التواصل الاجتماعي جعل منا شعوباً تنجرف بكم رهيب من المشاعر عند وقوع الحدث، وتتأنّق في التعبير عن الحنق النّاجم عن الظلم المحيط بنا في كلمات مُتناسقة مُتراصة، ثمّ ماذا؟ ثمّ لا شيء. تهدأ العاصفة وتليها أخرى / أقوى من سابقتها تشحذ اهتمام وتعاطف الشعوب ليتناسوا ما سبق وهكذا دواليك.

ابتداءً من فيديو الاعتداء على الطفل أحمد المناصرة لفظياً وجسدياً من قِبل المستوطنين في فلسطين، ثم تعنيفه من قِبل جنود الاحتلال حين استجوابه، مروراً بصوره أثناء مماطلة محاكمته، وانتهاءً بهِ عند الحكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً. بين كل عاصفة وأخرى في قضيّة الطفل أحمد كان الغالبيّة مشغولين بالتّدوين عن قضايا أخرى، والمناصرة بذات النّظرة المُوجعة يُقاوم "وحده".

شعور العجز يتجدّد، كان قديماً يُترجم بـ"لا نملكُ إلا الدّعاء" وأُضيف إليه حديثاً الدعاء سراً، والتّباكي جهراً على صفحات التواصل الاجتماعي، الوسم يمنح الناشط لقباً جديداً، عِوضاً عن ناشط اجتماعي يُصبح "ناشط هاشتاغي"، هو تفاعل لا شك أنّه يعمل كمورفين يُسكّن الألم، ويُوهم الشخص بأنه مُؤثّر، له دوره وصوته.

اللبس الحاصل في ماهيّة دور الوسم هو تضخيم تأثيره حتى أصبح الغاية، وأقصى درجات التغيير في أذهاننا. الوسم يقوم بدور تعريفي لكنه لا يصنع المعجزات، يُسلّط الضوء على قضية مهمة ويجلبُ اهتمام متصفحي الشبكة الافتراضية، لكنّه لا يقوم مقام العمل والتغيير على أرض الواقع.
ثقافة الهاشتاغ تُكرّس فكرة التّقاعس وتجعله مُبَرَّراً، وكأننا أدينا الواجب تجاه القضايا المحيطة في حين أنّه تم تصغيرها لعدد من الكلمات يتباهى بصفّها الناشطون، الهاشتاغ أفقد القضايا أهميتها عندما جعلها لحظيّة، تجمع الاهتمام ليوم أو يومين، تُحقق الصّدارة، وتُصبح حديث كل مَن يعلم ومَن لا يعلم بحيث يدلي الجميع بدلوه في عدد متتابع من التعليقات أو التحليلات المُطوّلة المُذيّلة بوسم "trendy".


بائس هو الشعور الذي يذكّرك بأنّ مُجتمع العالم الافتراضي لم يعد يذكر مأساة طفلات نيجيريا اللاتي تم خطفهن واستخدامهن لشن هجمات انتحاريّة، ورداً على مطلب #BringBackOurGirls الفتيات لم يعدن، وجماعة بوكو حرام لم تتوقف عن قمعهن حتى هذه اللحظة، ماذا عن حلب؟ هل بقي شيءٌ فيها لنُصلي لبقائه؟ أنحن بحاجة لمشاهد مُروعة مُباشرة لننفض الغبار عن إنسانيّتنا ونتقاذف السباب والتّخوين جماعياً على وسم #حلب_تباد؟ أم نحن بحاجة لحرب جديدة على القطاع المحاصر لنُشارك صور الدمار والقصص المنسيّة مختومة بـ#لك_الله_يا_غزة؟

مُؤسف أن تُصبح قيمة الإنسان والاهتمام بما يحدث له من حولنا بحاجة إلى مجهود أكبر حتى نشعر به ونُستفز، صور ركام، فيديو يفتقر لأبسط درجات الرّحمة حينها فقط يستحق أن يُنشر وسم يُعنى بالقضية.

أصبحنا نعيش بشكل جماعي في حالة من "أنا إنسان، أنا أهتم" لدقائق معدودة في وسمٍ ما؛ لتستمر بعدها دورة الحياة كما هي، ونلتفت لاهثين للحاق بحدثٍ جديد.. ذات السيناريو، ذات الحبكة، وتبقى القضايا مُعلّقة بانتظار الفصل الأخير من المسرحيّة.

تَدافع الأوسمة وتبدّلها بين اليوم والآخر لتُصبح القضية التي كانت تحتل الصدارة اليوم في ذيل قائمة اهتمام المتصفحين غداً يجعل ما نعيشه اليوم أقرب للماراثون، لكن بلا خط نهاية واضح.

ثقافة الوسم أفقدتنا القدرة على التركيز على قضايا محددة، لنعمل على التأثير والتغيير فيها؛ بل أصبحنا نهتم بكل وأي شيء دون أن نُحدث فرقاً.

لا توجد عصا سحريّة تُبدّل ما نُعايشه بين ليلة وضحاها، فالتقدم السريع في عالمنا وانهماكنا في مواقع التّواصل لهما دور مهم في صناعة ذلك، لكن حصر جهودنا في "وسم افتراضي" هو ظلم بيّن لطاقات قادرة على إحداث فرق -ولو بسيط- بدلاً من التّركيز على العجز وحده.
ثمّ ماذا؟ ثمّ لا شيء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.