المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الملاح Headshot

كيف صنع مريد البرغوتي وسامي يوسف وطناً في غوتنبرغ؟

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن الأمر عبثاً حقًّا..
فقد كان وما زال ذلك هو درب النور في جوف العتمة، وحبل النجاة في عمق البئر، وشرارة تقدح الإبداع وتطلق طاقات العقل والقلب والروح.
في المدينة الجديدة التي اكتشف طرقاتها وشوارعها ومتاجرها، يد بيد مع رفيق الدرب أخيراً والحب يحيط بوجودي كهالة من نور!

كان البرد حولنا قارسا جدا، وإحساس اكتشاف مدينة جديدة للمرة السادسة في ثلاثة أعوام، لا بد أن يحتوي كثيراً من الغرابة المختلطة بسكينة الرفقة، إلا أنه كان شعوراً كان علي الاعتياد عليه كسورية، وإن كنت ما زلت أجده مزعجاً أكثر منه مثيراً!
هذه المرة بعد المدن الخمسة السابقة، كان هناك شيء مختلف في هذه المدينة.
لقد وُعدت بأن ألقاه هناك..
هناك حيث وجدت على الرفوف في الغربة وطناً!
هناك حيث وجدت مدفأة وبيتاً وقمراً وشمساً، لم أجده قبلها في المدن الخمسة السابقة!
كان هناك مكان يفتح أبوابه ليحتضن الجميع دون أدنى سؤال عمن أنت وماذا تريد.. مكان يعطيك الجزيرة التي تريدها، بكل أريحية لتجد على صفحاتها مرفأك.

على الرفوف في المكتبة العامة في غوتنبرغ (يتوبوري)، كان هناك محمود درويش، ومريد البرغوتي، والمتمردة.
ولدت هنا، ولدت هناك، لمريد البرغوتي، حيث كان يروي على ما يبدو قصة دخوله لفلسطين، حيث ولد هنا وهناك.
كم تشبه تجاربنا بعضها، كما تختلف، لست أدري!
ولدت هنا، ولدت هناك..
ولدت من جديد على صفحات كل كتاب يسكنني، ويعرف دخيلة نفسي دون أن أنطق..
ولدت في وطن منتزع منتهك، وفي كل منفى أولد، ويموت أو يحيا فيّ شيء جديد.
تذكرتُ مدرِّسة المحادثة الأستاذة البريطانية، التي قالت إنها عرفت عن القضية الفلسطينية عن طريق كتابات مريد البرغوتي.
كان ذلك مدعاة للفخر فعلاً.
كيف يمكن للأدب، وللكتاب أن ينقل تجارب الشعوب وقضاياها، ويكون رسولاً للحقوق المسلوبة والأراضي المنهوبة، والقلوب المكلومة!
مريدالبرغوتي، ومحمود درويش على رفوف المكتبة العامة في يوتوبوري، حملا لي رسالة عظيمة..
وإن لم تكن جديدة كليًّا، ولكنها في الوقت الذي أضع فيه خطواتي الأولى في المنفى الجديد، أو فيما سأسميه ربما وطني الجديد، الذي رحب بي، وحمد الله على وصولي سالمة بكل ود، كانت في وقت حساس جداً!
ربما في كل ذلك رسالة وأمانة بعد كل المصائب والكوارث والحروب والثورات التي كنّا شاهدين عليها، أو جزءا منها.
ربما هناك رسالة مهمة علينا أن نواصلها، ولذلك بقينا أحياء..
الشهود الأحياء على مجازرنا ونكباتنا، ومآسينا وآلامنا وشجاعتنا وإصرارنا وصمودنا..
ليس القلم بأيدي الأقوياء فقط..
فبأيدينا نحن أيضاً قلم.
و في رؤوسنا عقول وفي أجسادنا قلوب، ولنا ألسنة خلقها الله لنكون شهداء في الأرض، ويكون الرسول شهيداً علينا.
وفي كل خطوة رسالة وفي كل ساعة أمانة، وفي كل الأرض نحن مستخلفون، وأرض الله واسعة وقد هاجرنا فيها كما أمرتنا يا الله، فاجعل هجرتنا في سبيلك واجعل زادنا ومنارتنا اقرأ والقلم وما يسطرون.
لم يكن عبثاً أن بقينا أحياء، ولم نصبح من الشهداء، لأن لدينا شهادة من نوع مختلف!
شهادة على ديننا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا علينا أن نخطها بأعمارنا، وأعمالنا وأقلامنا وأصواتنا، وكل ما أوتينا من قوة لنثبت ونثبِّت غيرنا على طريق الله والحق والعدل وكرامة الإنسان، كل إنسان.
على الأقل حتى لا يجرفنا التيار.

لم يكن عبثاً أن أكتب الآن وأنا أسمع سامي يوسف، ماهر زين، محمود كورتس وحمود الخضر.
أنت تختار ما تقرأ، ما تسمع، ما تفعل، ومن تكون.
وكلها بوابتك للكون والحياة.
لم يكن عبثاً حتماً، أن أجد وطناً مختزلا في كتاب، على رف من رفوف مكتبة في يتوبوري.
لم تكن عبثاً "اقرأ".
اقرأ هي حبل النجاة، وهي القنديل والمشكاة، فأنت في طريق معتم لن تصل إلى أي مكان بكل تأكيد، وكان علينا البحث عن طريق للخروج من الكهف، الذي علقنا فيه جميعا.
لم يكن عبثا ذلك الصوت المؤمن الذي أسمعه هدهدة قلب وروح!
فجميعهم صنعوا لي وطناً في غوتنبرغ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.