المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الملاح Headshot

السباحة عكس التيار

تم النشر: تم التحديث:

عندما انتعشت أرواح الأحرار في المنطقة العربية بالياسمين الذي فاح شذاه من تونس إلى مصر، كان ذلك بمثابة انطلاق مارد المصباح، أو اكتشاف منجم من الألماس كان هنا أمامك منذ زمن طويل، لكنك لم تكن تكترث لوجوده.

أيام ونحن لا نهنأ بطعام ولا شراب ولا نوم، متسمرين أمام شاشة الجزيرة نتابع أحداث الثورة المصرية، ونتنبأ بالسقوط الوشيك!

لقد استطعنا أن نحلم، أن نكون أحراراً ونطالب بالحرية، ونحصل عليها أخيراً!
الفرح أشرق في وجوهنا جميعاً، الوجوه التي لم تعرف فرحاً حقيقياً منذ سقطت فلسطين، وتسلم الطغاة مقاليد حكم بلادنا واحداً واحداً، ليشيعوا الفساد والظلم والرشوة وينحطوا بالوطن والإنسان.

هذه الوجوه تشرق للمرة الأولى.

حتى باعة الخضار، المشاة في الشوارع، الأقرباء والأهل والجيران! نعم نحن أحرار!
نعم، الشعب يريد إسقاط النظام!

كل هذا حدث عندما تنحى مبارك! نعم!

منذ متى كان هناك فرق بين وجعي ووجهك، ووطني ووطنك وحزني وحزنك!

منذ متى لا يهز قلوبنا هتاف ميدان التحرير، وهتافات فرح تونس: بن علي هربْ، وأحلام الأردن، وأشواق عدن، وبطولة الجزائر؟

منذ متى ورغم أن أغلبنا ولد في دول التقسيم (سايكس بيكو)، فإنهم لم يفلحوا في تقسيم حجرات القلب!

قلبنا كبير جداً، إنه يمد شرايينه حتى إسلامبول (إسطنبول)، ويرحب في حجرات القلب بسراييفو، والشيشان وحتى ميانمار!

ولذلك كان هذا القلب الكبير تحدياً لهم!

لابد أن يقسم! لابد أن نطلق عليه كل أنواع الجراثيم والأمراض لتغزوه، وتدمره، وتحَجِّمه!

هذا القلب بدأ ينتعش ويحاول الحياة من جديد، واتضح أنه مازال حيّاً، عندما وجد ريح يوسف، ريح الغائب الذي اشتاق إليه طويلاً، ريح العدالة والحريّة!

تلك الريح الطيبة، من جهة أخرى بدأت تُشعرنا بالاختناق!

كيف تثور مصر وتونس وتتخلص من طغاتها، ونحن مازلنا مكبلين؟
أليس الشعب السوري شعباً حيّاً، أيضاً!

تلك الوجوه الكثيرة التي تلونت بلون البهجة بسقوط طاغية مصر، ما بالها لا تتحرك؟
ثم أكملت الريح الطيبة دورتها، وبدأ الثلج يذوب عن قمة الجبل، وبدأت الحقائق بالظهور والأصوات الحرة التي تعرف تماماً الثمن الذي ينتظرها وبرغم ذلك تحركت وثارت!

فقد سبق أن سوّى النظام أجزاء كبيرة من حماة بالتراب، اعتقل ونكل واغتصب وهجر مئات الآلاف، تحت سمع العالم وبصره!

الآن نستطيع أن نتحرك، سنتظاهر ونرفع صور المظاهرات.

النظام بدأ كالمسعور بالقتل والاعتقال والتنكيل! بدأ بالرصاص الحي الذي حصد أشجع الشجعان، ثم انتقل إلى تدمير الأحياء الثائرة ضد حكمه، بالمدافع، والصواريخ والطائرات والبراميل والغازات الكيماوية، ثم الميليشيات الإيرانية والعراقية وحسن بدو نصر يا الله، ثم الطيران الروسي! كل هذا فقط وفقط، لأن هذا الشعب طالب بالحرية، وبأن يحكم نفسه بنفسه!

أطلق الأسد من سجونه كل المتطرفين، وقال عملتم إمارة إسلامية، في الوقت الذي كان فيه بضع مئات من الشباب خروجوا متحدين كل شيء فقط ليقولوا: الشعب يريد إسقاط النظام.

النظام خطط ونفذ بالتعاون مع أجهزة مخابرات الشياطين الزرق لسرقة هذه الثورة بالتطرف وتنظيم القاعدة الذي تمدد كالسرطان على أرض الثورة السورية، وتغذى من أخطاء بعض الثوار، وحماقات من انتسب للثورة ليسرق أو يتسلط على الناس، وأنانية البعض الآخر وتشدده، ليصبح من ثار أمام خيار البقاء مع من يرى بأم عينه منهم أخطاء لا يمكن السكوت عليها، أو الانضمام إلى من ظهروا بمظهر الشرفاء من الفصائل المتشددة، والخيار الأخير الذي لجأ إليه من امتلك من الوعي ما يكفي لنبذ تطرف القاعدة كان هو الرحيل، الهجرة واللجوء!

ومن بقي صامداً على ثورته الحقيقية اليوم، التي لم يسمح للتطرف أن يخنق روحها، هم قلة قليلة جداً جداً، يحاربون كل قوى كوكب الأرض.

والمشكلة أنهم هم أيضاً متفرقون، تابعون في قرارهم للممولين الذين يزودونهم بالمال وأحياناً السلاح، هؤلاء هم من يتحكم بشكل أو بآخر بقرار فتح الجبهات أو إغلاقها، وتسليم المناطق أو استلامها. وفي هذا المال السياسي القذر يتحكم أفراد معدودون يتصرفون بها بلا أقل قدر من الشفافية والمسؤولية ليتحول هؤلاء بدورهم إلى أمراء حرب، أفسدت السلطة كثيرا منهم، إلا من رحم ربي!

نعم، الثورة، في مأزق أسود، وفتنة كبرى، والبلد قد سويت بالتراب، التراث تدمر والبشر تهجرت بالملايين في كل أصقاع الأرض، فهل أجرمنا بأن حلمنا بالحرية والكرامة وماذا يمكن أن نفعل لنوقف هذه المأساة؟

أولاً: توحيد الفصائل المعارضة لنظام الأسد

فبدون توحد لا يمكن بأي حال للثورة أن تنتصر، لابد من الاجتماع على قيادة واحدة، وإن كان هناك دعم فليكن بدون التدخل باستقلالية القرار الذي سيتوجه لجهة واحدة موحدة لكل الثوار الأرض، باسم جبهة واحدة لها قائد واحد ومجلس استشاري من الثقات العقلاء الذين ثبت ولاؤهم.

لابد من الاستفادة من الخبرات العسكرية للضباط الشرفاء المنشقين، ممن تم التأكد من ولائهم للثورة، فإقصاؤهم بخبرتهم العسكرية جريمة لا تغتفر، قامت بها أنانية أمراء الحرب.

ثانياً: كل من تصدر لتمثيل الثورة سياسيا، لا قيمة حقيقية له على الأرض ما لم يقم بقيادة الثورة من الداخل، من يرد أن يصبح قائداً فعليه أن يكون مع الثوار على رأس المعركة، ليتملك المصداقية والقرار ويوحد الصفوف، فقيادة الثورة من مكتب في غازي عنتاب أو جدة أو لندن لن تنجح!

قد آن الأوان ليعرف الائتلاف والمجلس الوطني وكل الأحزاب التي تطمع أن يكون لها دور في مستقبل سورية السياسي الجديد، أن العالم لا يعبأ بهم ولا يقيم لهم أي وزن، وأنهم دمى يتم التلاعب بها، وأن مستقبل سورية يرسمه كل العالم عدا السوريين كما حدث في فيينا!

إن أرادوا فعلاً أن يرسموا مستقبل سورية بأيديهم، فليتفضلوا وينزلوا للداخل وليتوحدوا وليجمعوا الفصائل وليطلبوا من الدول العربية الداعمة للفصائل أن تغلق كل حنفيات الدعم، ليتوحد الجميع في جبهة واحدة لتحرير سورية.

تحرير سورية ممكن جداً وليس مستحيلاً، وتدخل روسيا وإيران وحزب الله لم يجعل النظام ينهي الثورة أو يعيد له المناطق الخارجة عن سلطته، برغم كل التفرق الذي عليه الثوار، فكيف بهم إن توحدوا وتعاهدوا وشحذ كل الشعب السوري همته بكل ما يملك من دعم لنصرة جبهة واحدة بهدف واحد تجمعها قيادة واحدة، يتحقق فيها قول الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، فعندما نعد ما استطعنا من قوة، فالله عز وجل قادر على نصرنا.

ثالثاً: تنظيف صفوف الثورة من الداخل من العملاء والمرتزقة والخونة ومتعددي الولاء والفاسدين واللصوص، بإنشاء هيئة نظيفة مستقلة معتدلة محمية تقوم بمحاسبة الجميع، ليتم تطهير الجسم الداخلي للثوار من الأمراض الفتاكة التي تمنع النصر، وقتها سيكون الأمل كبيراً بإذن الله لتحقيق النصر الأكيد.

رابعاً: بناء الإنسان السوي المتزن صاحب الهوية والقضية هو تحدينا الأكبر.
مئات الآلاف من الأطفال السوريين بلا مدراس، ولا توعية دينية وأخلاقية، وآخرون ذووهم مشغولون عن متابعتهم بتأمين لقمة العيش، وأبناؤنا في الغرب في تحد حقيقي لهويتهم.

بناء الإنسان هو معركتنا الأولى والأخيرة، ولابد من وجود هيئات تتفرغ لرعاية ودعم وحماية الأطفال والأمهات، فكلنا أفراداً وجماعات مسؤولون مسؤولية مضاعفة أمام هول التحديات.

هذا العمل يجب أن تنحى فيه المنظمات التي يدخلها المال السياسي المشبوه والتابعة لأجهزة مخابرات غربية.

يجب أن يقوم به سوريون بمال سوري أو عربي نظيف وهدف واحد فقط هو الارتقاء بالإنسان بعد تأمين حاجاته الأساسية.

خامساً: تحويل الأموال من الإغاثة إلى المساعدة على الإنتاج والإنماء.

التعود على الجلوس دون فعل أي شيء بانتظار السلة الغذائية هو أمر مدمر أخلاقياً ونفسياً وإنسانياً وفكرياً.

مجهودات الإغاثة بالكلية عليها أن تتحول بشكل تدريجي نحو توجيه الشعب للاعتماد على عمله وجهده المنتج الذي يبدأ بالاستقلال فيه خطوة خطوة، مع تحفيز وتشجيع التطور المادي والأخلاقي.

كل ما حلمنا به ممكن لو سلكنا إليه الطريق الصحيح، فالطريق التي نحن سائرون بها اليوم، لن تأخذنا إلا إلى الهاوية!

لذلك علينا أن نفكر بالسباحة عكس التيار!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.